صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الأزمة المالية العالمية... عمدا مع سبق الإصرار والترصد (3)

  • 25-08-2011

نكمل ملاحظاتنا حول الدراسة التي سمحت وزارة الدفاع الأميركية بنشرها في منتصف عام 2009 تحت عنوان "إمكانات الحرب الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين"، والتي يؤكد فيها كاتبها أن الأزمة المالية العالمية وانهيار بنك "ليمان براذرز"، هما حرب اقتصادية على أميركا تمت بفعل فاعل.

يعتقد الكاتب في دراسته أن الهجوم الاقتصادي على أميركا يتكون من ثلاث مراحل؛ اثنتان منهما اكتملتا بتاريخ نشر الدراسة.

المرحلة الأولى، هي رفع مضاربي لأسعار البترول زاد من إيرادات الدول المنتجة للبترول بمقدار تريليوني دولار، فابتدأت هذه المرحلة في 2007 واستمرت حتى يونيو من عام 2008، وهذا الصعود في أسعار البترول جعل قيمة النفط غير المستخرج لأعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تعادل 173 تريليون دولار (على أساس سعر 125 دولارا للبرميل). هذا المبلغ يعادل قيمة كل الأصول المالية في العالم بما في ذلك كل الأسهم وكل السندات وكل الشركات الخاصة، وكل القروض الحكومية وقروض القطاع الخاص وجميع ودائع بنوك العالم.

المرحلة الثانية بدأت مع غارات البيع على الهامش على أسهم مؤسسات الخدمات المالية الأميركية الكبرى، والتي بدأت مع بنك "بيرستيرنز" ونجحت في دفعه إلى حافة الإفلاس؛ مما أدى إلى شرائه من قبل بنك "جي بي مورغان شيس" كما تمت عمليات إغارة مالية على شركات أخرى خلال صيف عام 2008 كلها انتهت باستحوذات إلى أن انهار بنك "ليمان براذرز" في منتصف سبتمبر والذي أدى إلى الانهيار المالي العالمي.

المرحلة الثالثة، والتي يتوقعها الكاتب هي بدء هجوم اقتصادي على الدولار وسندات الخزينة الحكومية الأميركية، ويضيف الكاتب أن هذا الموضوع تمت مناقشته بين دول العالم الناشئ في الصين وروسيا وإيران والدول العربية، ولعل الكاتب يقصد هنا تخوف هذه الدول من فقدان الدولار لميزته كعملة احتياط عالمية وتوجهها إلى تنويع استثماراتها بعيداً عن الدولار.

ويؤكد الكاتب أن هجوما اقتصاديا لتخفيض قيمة الدولار من خلال  التخلص من سندات الخزينة الأميركية وبيعها بكميات كبيرة في الأسواق، يحمل في طياته أخطارا كبيرة على الاقتصاد الأميركي من ضمنها "احتمالية" تخفيض التقييم الائتماني للدين الأميركي الذي سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض وانهيار الاقتصاد الأميركي.

ولنا هنا ملاحظتان على ما سبق، الأولى هي أن المرحلة الثالثة التي تحدث عن احتمالية وقوعها الكاتب قبل سنتين قد تحققت فعلاً! فقد انخفض الدولار بشكل كبير أمام العملات العالمية، وتم تخفيض التقييم الائتماني لدين الحكومة الأميركية قبل أيام من قبل مؤسسة "ستاندارد آند بورز". لا شك أن هذا يعطي مصداقية كبيرة للدراسة التي تنبأت بأحداث قبل سنتين كان الحديث عنها يبدو مستحيلاً وقت ذاك، بل إن أي مطلع على الدراسة وقت نشرها في منتصف عام 2009 لو أخذها على محمل الجد واستثمر على أساسها، لحقق أرباحا لا يحلم بها كبار مديري الاستثمار في العالم، وفي إطار آخر، لكن متصل بموضوعنا، يمكننا أن نتبين هنا كيف أن الأجهزة الأمنية وبعض الجهات التي تدور في فلكها يمكنها أحيانا وفي دول مختلفة- لا تقتصر على الدول غير الديمقراطية- أن تعلم عن الاقتصاد والأسواق المالية في تلك الدول أكثر مما يعلمه عتاة الاقتصاديين وكبار مديري الاستثمار والبنوك.

الملاحظة الثانية عن المرحلة الأولى من الهجوم الاقتصادي الذي تحدث عنه الكاتب، فالكل يعلم أن الطفرة في أسعار البترول خلال عامي 2007 و2008 قد تمت بفعل مضاربات صناديق التحوط، مدفوعة بتوقعات محللي "وول ستريت" وعلى رأسهم بنك "غولد مان ساكس"، ومعظم صناديق التحوط في العالم وأكبرها هي صناديق أميركية، ولا تقل الأصول التي تديرها أكبر عشرين صندوق تحوط عن عشرين بليون دولار لكل منها، فلو عرفنا أن هذه الصناديق تقوم باقتراض أضعاف الأموال التي تديرها، وتستثمر ذلك كله في الأسواق، لبدأنا في فهم القوة الضاربة لهذه الصناديق القادرة على تحريك أي سوق مالي تريد الاستثمار فيه، بما في ذلك البترول، والذهب، وباقي المعادن الثمينة، وأسواق السلع والأسهم والسندات.

إذن، ماذا يعني قول الكاتب أن رفع أسعار النفط كان المرحلة الأولى من الهجوم الاقتصادي؟ وإذا كانت صناديق التحوط هي التي رفعت أسعار النفط، فهل يعني هذا أنها وراء الهجوم الاقتصادي على أميركا؟ وهل هناك عملية تواطؤ فيما بينها؟ ومن يمكن أن يقف خلف هذه الصناديق؟ ولماذا تريد أن تخفض قيمة الدولار وترفع قيمة الاقتراض على الحكومة الأميركية؟ وهل الحكومة الأميركية عاجزة عن التعامل معها أم أنها راضية بما تفعله هذه الصناديق؟ وهل يمكن أن تكون هذه الصناديق متعاونة مع دول أخرى كالصين وروسيا؟ وهل مديرو الصناديق مواطنون عاديون أو أنهم من فئة لا يمكن محاسبتها أو التحقيق معها؟ وهل يمكن أن نربط هذا كله مع ما أشرنا إليه في مقالاتنا السابقة حول التقارير الإخبارية التي تربط أحد كبار مديري صناديق التحوط في العالم بدعم وتمويل الثورات الملونة في أوروبا الشرقية وثورات الربيع العربي؟ وماذا عن ارتباطه بالهجمات الاقتصادية السابقة على كل من بريطانيا والنمور الآسيوية في التسعينيات من القرن الماضي؟