صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الكويت والمؤامرة الجديدة: حسبنا الله ونعم الوكيل

  • 03-01-2012

بحثت عن اسم لمقال اليوم يكون معبراً بشكل مباشر عمّا أردت من مضمون ولكني عجزت، ففكّرت أن يكون العنوان أني "أرى تحت الرماد وميض نار" ولكن النار تشتعل وتكاد تأكلنا ولا يبين لها رماد ولا تكاد تخبو، وأردت أن يكون العنوان أنها إن "تولت فبالأشرار تنقاد" ولكن يكاد الأشرار أن يكونوا هم المتحكمون بالقيادة.

"ما لنا وللأسامي" والعناوين، لنسمِّ الأمور بمسمياتها ولندخل في صلب الموضوع، فالخطب جلل، وما يحاك في الظلام لبلدنا الكويت مؤامرة يراد لها أن تقضي على الأخضر واليابس وتحيل البلد إلى رماد تنعق فوق ركامه الغربان.

لكأني بأطراف المؤامرة، وهم كثر، متفرقون في المصالح، ومتعاونون في الخطط والوسائل، يفرحون للفرقة ويطربون للخسارة، وينامون قريري العيون، وهم يرون نار الفتنة تحرق أفئدة أهل البلد.

إن الخطب جلل، ونار الفتنة تلتهب، وهناك من يملك خزيناً لا ينضب من الوقود يزيد النار به كلما خفت اللهب، وكلما حاول الحكماء وعلى رأسهم صاحب الأمر وربان السفينة إطفاء هذه النار أو اتقاء شرها.

لن أخوض في سرد ما سبق من أحداث، أو تفصيل مواقف الأطراف المختلفة منها، ولكني سأخص مقالي هذا بذلك التسجيل المزعوم الذي نشر في "اليوتيوب" وتداولته الوسائل الإلكترونية والمنسوب إلى الشيخ صباح ناصر المحمد الصباح نجل رئيس الوزراء السابق.

ليس لدي أدنى شك في أن من سمع هذا التسجيل سيشاركني الرأي في نقاط عدة: الأولى، أن مفردات الحديث فيها الكثير من السوقية والابتذال، وتعبر عن ضحالة في الفكر والتعبير، كما تحمل تعالياً فارغاً لا ينتج عن خبرة عملية ولا تواصل شعبي.

النقطة الثانية، هي أن كل من يستمع بحذر إلى التسجيل لا بد أن يلاحظ أن يد التعديل والتحوير قد امتدت إليه وبطريقة يراد لها الوصول إلى أهداف معينة ليس أقلها تأكيد كل الاتهامات التي وجهت إلى سمو رئيس مجلس الوزراء السابق الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح، وأن يأتي ذلك من أقرب المقربين له وهو ابنه، وقد تم ذلك بحرفية عالية مخيفة، ربما لا تتوافر إلا لدى أجهزة المخابرات؟!

إن هذا التماهي الغريب بين الاتهامات التي وجهت إلى الشيخ ناصر المحمد على مدى سنوات، وما أريد لهذا التسجيل من تأكيد لكل هذه الاتهامات، وفي مكالمة واحدة هو ما يثير الريبة ويبعث على التساؤل، فكيف ويد التعديل والتغيير والمسح والتسجيل قد ظهرت واضحة للعيان وضوح الشمس في هاجرة النهار؟

إن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو ليس فقط ما إذا قد تم هذا الحديث الهاتفي من عدمه، ولكن السؤال هو ما هدف من سجّله إن تم؟ وما مصلحته من التنصت على أحاديث خاصة؟ وهل يتم التنصت على آخرين بهذا المستوى في الدولة ومؤسسة الحكم؟ ومن هؤلاء الذين يقفون خلف هذا كله؟ وما هدفهم؟ ومن قام بالتحوير والتعديل على التسجيل ليبدو كصك الاتهام الحقيقي والدليل النهائي على كل الاتهامات والادعاءات التي وجهت إلى الشيخ ناصر المحمد في السنوات السابقة، في محاولة بائسة تدل على ضحالة سياسية وإن تمت بحرفية فنية.

نعم من صاحب المصلحة في محاولة إعادة إشعال الشارع الكويتي بعد أن بلغ التأجيج مداه، وكادت الأمور تفلت من الأيدي لولا حكمة صاحب السمو أمير البلاد التي عالجت تفاقم الأمور، وهدأت الأنفس، واطمأن الجميع لبداية جديدة برئيس وحكومة جديدين ومجلس أمة جديد يأخذان بيد هذا البلد الذي يكاد العالم يعتقدون أن من يكرهه من أبنائه أكثر ممن يحبونه.

لنضع الأمور في نصابها، وحتى لا يصبح هذا الموضوع كما أراد له من قام بتأجيجه، فيجب هنا التفريق بين أمرين: الأول، هو ما دار من حديث في التسجيل، والثاني، هو الفعل نفسه، أي عملية التسجيل بحد ذاتها لحديث خاص لمسؤول في الدولة ونشره على الملأ.

بالنسبة إلى الأمر الأول لنفترض جدلا أن كل ما ورد في التسجيل قد قيل فعلاً، وأن هذا التسجيل هو لمن ينسب إليه، هنا، وبما أنه حديث خاص وليس رأياً معلناً، هل يتعدى الأمر إلا كونه شأناً داخليا للديوان الأميري وشأناً عائلياً لأسرة الحكم، وليس لعلاقة الشعب بكل من الأسرة والحكم ارتباط مباشر أو تأثر بما حدث، إلا إن كان المطلوب من أسرة الحكم أن يكون جميع أبنائها من طبقة الملائكة، وأي أسرة أخرى كويتية أو في أي جزء من العالم تستطيع أن تدّعي هذا الادعاء؟

أما بالنسبة إلى الأمر الثاني، وهو الذي يعنينا هنا فهو شأن عام يعني كل مواطن في هذا البلد، فكيف يتم تسجيل أحاديث المسؤولين الخاصة، أو نسب أحاديث كاذبة إليهم واستعمالها في مصالح خاصة، بل استغلالها في إثارة الفتنة والفرقة في المجتمع وخدمة أجندات سياسية واضحة، خصوصا إذا ما أخذنا في اعتبارنا، بالإضافة إلى التغيير والتعديل اللذين تما في التسجيل، توقيت إخراج هذا التسجيل وتوافقه مع مناسبتين مهمتين: هدوء العاصفة التي مررنا بها من ناحية والحاجة إلى إعادة تأجيجها مرة أخرى لاستثمارها في ندوات مرشحي مجلس الأمة التي ستبدأ قريبا، هنا نعرف أن سير العملية الانتخابية والتأثير في نتائج الانتخابات، إن لم تكن الهدف الأوحد فهي الهدف الرئيس لمن قام بالتسجيل والنشر مما يدخل العملية في إطار الجرائم السياسية التي تستهدف الأمن الوطني، وهكذا يجب التعامل مع الموضوع، فوراء الأكمة ما وراءها و"في الفخ أكبر من العصفور"، كما يقول المثل الشعبي.

لذلك لدي رجاء إلى ولاة الأمر، من بيدهم الحل والعقد وإلى أصحاب الرأي والقرار أن يبادروا لحل هذه الأزمة البادئة بالتشكل قبل أن تستفحل، ولنا في أزمة "الإيداعات" وطريقة التعامل الحكومي المتردد معها عبرة، وذلك بأن يحيلوا كل من لهم علاقة بهذا التسجيل إلى التحقيق العاجل والحاسم، أقصد هنا من قام بالتسجيل والتحوير والنشر وكذلك أصحاب المصالح الذين دعموا ودفعوا باتجاه حدوثه، أما صاحب الحديث المزعوم فموضوعه كما أسلفنا شأن داخلي خاص لا ينبغي أن يخوض فيه أحد، ولاشك أن هذا التصرف سيقطع الطريق على كل من يريد استثمار الموضوع لمصلحته، فوضع الحدث في إطار التحقيق القضائي يغلق باب الحديث فيه ويرد كيد المتآمرين إلى نحورهم.

أعلم أن الكيّ هو آخر الدواء في معظم الحالات، إلا أن هناك حالات قليلة لا يكون لها دواء غير الكيّ، وأي تأخير أو إطالة في محاولة علاجات أخرى لا تنتج غير تفاقم المرض واستعصائه على الشفاء، و"إن كان الهون أبرك ما يكون"، فإن فساد الرأي في التردد، فالوطن فوق الجميع، والكويت قد تعبت من الفتن، والكويتيون أكرم من أن يتم التلاعب بهم باسم المصالح، والجبهة الداخلية لا تتحمل مزيداً من التضعضع في ظل الأحداث الإقليمية، هذا إن لم يكن ما نحن بصدده انعكاساً لهذه الأحداث وشديد الارتباط بها ومحركا بأياد خارجية، والمؤمن كيِّس فطن، والعاقل من اتعظ بغيره.

إن قلبي على الكويت، هي همي الأول، ومصلحتها هي ما دعتني إلى كتابة هذا المقال، على حساسية الموضوع، ولكن ثقتي عالية بسعة صدر المتلقي، وعذري أني أريد الكويت بحكامها ودستورها أن تستمر بلداً لأبنائي كما كانت لي ولآبائي وآبائهم من قبلي... حفظك الله يا كويت وحفظ الله أميرك وشعبك... آمين.

*naifallafi.blogspot.com