صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الأزمة المالية العالمية... عمداً مع سبق الإصرار والترصد (1-2)

  • 05-08-2011

كثرت التحليلات للأزمة المالية العالمية وتعددت تفسيرات الخبراء والاقتصاديين بل السياسيين للأسباب المؤدية لها، وحجمها والعوامل التي ساهمت فيها، فبينما ألقى الأوروبيون والصينيون بصفة خاصة اللوم على الأميركيين، اختلف الأميركيون فيما بينهم في من يجب أن يتحمل اللوم.

فمنهم من ألقى اللوم على «ألان غرينسبان» الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) الأميركي لإبقائه الفوائد منخفضة كثيراً ولمدة طويلة؛ مما ساعد على إغراق الأسواق بالديون، ومنهم من ألقى اللوم على الحكومة الأميركية التي أخفقت في مراقبة وتنظيم الأسواق المالية وبالذات صناديق التحوط، فسمحت بالبيع المكشوف أو البيع على الهامش، كما رفضت تنظيم سوق أدوات مقايضة مخاطر الائتمان التي وصل حجمها إلى مبالغ خيالية.

أما الذين يأخذون منحى سياسيا فيلقون باللوم على الديمقراطيين الذين شرّعوا التشريعات القانونية التي تجبر مؤسسات الحكومة الفدرالية بضمان كل أميركي يرغب في شراء سكن خاص له بغض النظر عن قدرته الائتمانية، مما سبب فقاعة تضخمية في أسعار المساكن وأدى إلى أزمة الرهونات السكنية الضعيفة الائتمان.

لا شك أن كل هذه الآراء صحيحة، فهي تتناول المشكلة الكبيرة المتشعبة من جوانب مختلفة، أدت كلها متضافرة إلى النتيجة الطبيعية لأي دورة اقتصادية بعد بلوغ النمو أقصاه، بأن تبدأ فترة الكساد والانكماش الاقتصادي بأخذ دورها حتى يستوعب الاقتصاد النمو الذي حصل ويجري تصحيح أسعار الأصول المتضخمة لتبدأ دورة اقتصادية جديدة.

إلا أن هناك شيئاً مختلفاً هذه المرة، فدورة الكساد الاقتصادي وهبوط أسعار الأصول، ومنها أسعار المساكن في أميركا، قد بدأت تدريجيا منذ منتصف عام 2007، ولم يؤد ذلك إلى قلق عالمي كبير، وحتى في خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2008، ومع مشارفة بنوك أميركية كبرى على الإفلاس وشرائها أو اندماجها في بنوك أخرى كبنكي «بير ستيرنز» و«ميريل ليينش» فإن الأسواق العالمية لم تصل إلى مرحلة الذعر وذلك لثقة هذه الأسواق والمتعاملين فيها بأن الاحتياطي الفدرالي الأميركي سيتدخل لعمل اللازم لضمان استقرار الأسواق واستمراريتها، كما حصل في رعايته لمحادثات الاندماج السابق ذكرها وضمانه لبعض الديون.

ماذا حدث إذن؟ وما الذي أصاب الأسواق بالهلع؟ وما الذي أدى إلى تجميد الائتمان (القروض البنكية) إلى حد أن أفضل الشركات وأقواها لم تجد من يمول عملياتها؟ وما الذي أدى إلى شبه توقف للتجارة العالمية لأسابيع؟ وما السبب وراء الصعقة الكهربائية المميتة التي أعطيت للاقتصاد العالمي فأدت إلى تصدعه وانهياره بين يوم وليلة بعد أن كان يسير برتابة في دورته الانكماشية؟

إفلاس بنك «ليمان براذرز» كان وراء ذلك كله، فأن يتم تخدير الأسواق باعتقادها أن المخاطر محدودة بضمان الاحتياطي الفدرالي الأميركي، ثم تكتشف بين يوم وليلة أن أحد أكبر بنوك العالم قد اختفى، ولم يعد له وجود، واختفى معه مليارات الدولارات من أموال المساهمين وأضعاف ذلك من أموال المودعين، لهو صدمة لا يمكن احتمالها، والسبب ألا أحد يدري بعد ذلك أي من البنوك تستطيع الاستمرار بقوتها الذاتية، ومن منها سيعلن إفلاسه لأن لديه انكشافا على الأصول المسمومة التي أدى انهيار «ليمان براذرز» إلى تدافع المستثمرين لبيعها ما أدى إلى هبوط أسعارها أكثر، وبالتالي إفلاس المزيد من البنوك، وكذلك أي بنك لديه انكشاف على «ليمان براذرز» نفسه وغيره من البنوك التي تفلس كل يوم أو في طريقها إلى الإفلاس، أي أن البنوك امتنعت عن تمويل بعضها لانعدام الثقة فيما بينها.

إفلاس «ليمان» بحد ذاته أدى إلى خسائر كبيرة لبنوك وشركات ومستثمرين في كل بقاع العالم، وامتناع البنوك عن تمويل بعضها بعضا، وعن تمويل قطاع الأعمال؛ مما ضاعف هذه الخسائر وأدى إلى حالات إعسار وإفلاس، شلل تام في الاقتصاد العالمي ودورة قاسية من الإفلاسات التي أدت إلى المزيد من الإفلاسات.

من المسؤول عن ذلك كله؟ وكيف تم اتخاذ القرار بعدم إنقاذ بنك «ليمان براذرز»؟ وكيف لم يتم تقدير الأضرار المترتبة على هذا القرار؟ أم أن الأضرار كانت مقصودة؟

لن أدخل في بحث قانوني حول من كان له الحق في تقرير إنقاذ بنك «ليمان براذرز» من عدمه، فالحلقة ضيقة ولا تزيد على مجلس إدارة الاحتياطي الفدرالي ووزارة الخزانة الأميركية، هذا في الظاهر على الأقل، كما أني لن أتحدث بسذاجة عن التنافس المحموم والبغض الشخصي المعروف بين وزير الخزانة الأميركي، الرئيس التنفيذي السابق لبنك «غولدمان ساكس»، والرئيس التنفيذي لبنك «ليمان براذرز» لتفسير انهيار اقتصاد أكبر دولة في العالم، ولكني سأختار ثلاث ملاحظات تختلف في درجة قوتها وحجيتها، ولكنها في مجموعها تقوي بعضها بعضا، وتعطي صورة محتملة لما كانت عليه الأمور:

الملاحظة الأولى، هي من البرنامج الوثائقي الرائع «حب المال» الذي أعدته قناة  «بي بي سي» البريطانية وأجرت فيه مقابلات مع الأشخاص الذين كانوا على اطلاع وثيق بمجريات الأحداث في الساعات والأيام القليلة التي سبقت إعلان إفلاس بنك «ليمان براذرز»، حيث أكد كل من رئيس بنك «باركليز» البريطاني الذي كان على وشك شراء بنك «ليمان براذرز» وإنقاذه من الإفلاس ورئيس هيئة الخدمات المالية البريطانية، الجهة المنظمة للأسواق المالية البريطانية والمنظمة لاندماجات البنوك، أن السبب في عدم إتمام الصفقة هو رفض وزارة الخزانة الأميركية إعطاء أي ضمانات لقروض «ليمان» للبنك المشتري أو أي تسهيلات مالية، وهو الشيء الذي لا يمكن لهذه الصفقة أن تتم بدونه، وعبر رئيس بنك «باركليز- فرع نيويورك» الذي أدار المفاوضات عن ذلك قائلاً: «بعد أن قطعنا شوطاً كبيراً في المفاوضات ودراسة أوضاع البنك وتوصلنا إلى اتفاق مبدئي فإن رفض الخزانة الأميركية تقديم الضمانات اللازمة لإتمام الصفقة جعلني أحس بأن أحشائي استئصلت».

أما المحامي المختص بقوانين الإفلاس والذي يمثل بنك «ليمان»، فقال إننا أدخلنا إلى غرفة الاجتماعات بعد انسحاب «باركليز» في عصر يوم الأحد من العطلة الأسبوعية، وطلب منا المجتمعون (وزارة الخزانة الأميركية وأعضاء في الاتحادي الفدرالي) في مقر الاتحادي الفدرالي إعلان إفلاس البنك قبل منتصف ليل نفس اليوم، وحين طلبنا تفسيرا لهذا الطلب الغريب والمستعجل وحذرناهم من انعكاس هذا القرار على الأسواق العالمية، أجابوا بأنهم يعلمون ما يفعلون.

الطريف أن ابن عم الرئيس جورج بوش يعمل في بنك «ليمان»، وقد طلب منه العاملون في البنك الاتصال بالرئيس وإبلاغه بخطورة ما يجري والطلب منه منح البنك فرصة لتدبير أموره في محاولة لتخطي هانك بولسون وزير الخزانة الأميركية، إلا أن مأمورة البدالة في البيت الأبيض أبلغت ابن العم الذي طال انتظاره على السماعة هو وزملاؤه أن الرئيس مشغول ولا يستطيع الإجابة على الهاتف.

يكمل محامي الإفلاس بالقول إنهم طردوا من مبنى الاحتياطي الفدرالي، ولم يسمح لهم بالنقاش أو طرح تصورهم مباشرة بعد أن طلب منهم إعلان إفلاس البنك.

Naifallafi.blogspot.com