صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3986

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم...(5) بديعة مصابني... العودة إلى بيروت

  • 16-08-2010 | 00:00

كان التحاق بديعة بفرقة جورج أبيض في القاهرة أولى خطواتها في طريق حلم حياتها، وبقيت لحديقة الأزبكية مكانة خاصة لديها، ارتبطت بها إلى أقصى درجة لأنها كانت المكان الوحيد الذي تجد راحة نفسية في ارتياده. ذات يوم، بينما كانت جالسة هناك تفكّر في الخمسة جنيهات التي تتقاضاها، فوجئت بأحد الأشخاص يقترب منها، ربما جاء هو الآخر للتخلّص من همومه، وكان يدعى مصطفى الشامي، شقيق أحمد الشامي صاحب فرقة الشامي المسرحية المعروفة.

تقدّم مصطفى إليها بهدوء وفتح معها حواراً، فعرف أنها تعمل في فرقة جورج أبيض بخمسة جنيهات في الشهر، وعرض عليها العمل في فرقة شقيقه، وداعب أحلامها عندما وعدها بأنها ستحصل على فرصتها كاملة بالإضافة إلى أجر محترم والشهرة التي لم تنلها عند أبيض، وأخبرها عن الجولة التي تستعدّ الفرقة للقيام بها في صعيد مصر وفي مدن الوجه البحري لتقديم عروضها المسرحية.

فرحت بديعة بهذه الأخبار، لكنها تذكرت أمها وتحدثت مع الشامي بشأنها، فاقترح عليها أن تصحبها في جولتها، فقالت له بديعة: «لو علمت أمي بما أفعله أو حتى اشتمت خبراً بأنني أعمل في التمثيل لقتلتني، هي تظن أنني أعمل بالخياطة والأشغال اليدوية»، عندها رأت أن الحل الوحيد هو إعادة أمها إلى الشام، فطلبت منه أن يمنحها فرصة للقيام بهذه المهمة ثم العودة إليه وإلى فرقة أخيه، ثم انصرفت بعدما وعدته بأنها ستعود بعد يومين أو أكثر.

كان المجتمع آنذاك ينظر إلى الممثل على أنه مشخّصاتي لا وزن له ولا تُسمع له شهادة في المحاكم، وكان التمثيل ممنوعاً على أبناء العائلات ومهنةً منحطّة، لذا أخفت بديعة سرّها عن أمها، لكنها ما لبثت أن وجدت نفسها في مأزق، فأمامها فرصة عمل جيدة ولا تعرف ماذا تفعل مع والدتها.

عادت بديعة إلى الغرفة التي تعيش فيها مع أمها في البنسيون المتواضع وعلى وجهها إمارات الهمّ، فسألتها أمها عن سر حزنها وأمام إلحاحها قالت لها بديعة: «لو اقتنعت بكلامي وسافرنا إلى أميركا أما كنا تخلصنا من هذا الفقر والحزن؟»، فبادرتها الأم: «أفضّل الموت في الشام على الذهاب إلى أميركا، حتى لو كانت أحوالنا بالغة القساوة والشقاء»، عندها راحت بديعة تذكرها بما حدث لها في بلادها وقالت لها: «الموت أفضل من الذهاب معك إلى الشام، فلتذهبي إليها وحدك وكفاني ما حدث منك ومن بلادك اتركيني ليرحمني الله منك ومنها»، كعادتها راحت الأم تولول وتصرخ: «لن أذهب إلى الشام بمفردي، ولن أترك مصر إلا وقدمي ترافق قدمك». فتجمّع الجيران مجدداً على صوتها، فاعتذرت بديعة عما بدر من أمها وبدأت التفكير في التخلص نهائياً منها وسرعان ما اهتدت إلى حيلة، إذ اقترحت عليها أن ترحلا إلى بيروت وليس الشام، فوافقت، وصباحاً استقلتا القطار وعندما تحرّك تركتها بديعة بحجة أنها ذاهبة للبحث عن طعام وقفزت من القطار تاركة أمها تذهب إلى الجحيم.

ودعت بديعة حياتها الماضية بذلّها وفقرها، إلا أنها سرعان ما تنبّهت إلى أنها لا تستطيع العودة إلى البنسيون، فقد تركت ثيابها وكل ما تملك مع أمها كي لا تثير انتباهها لما ستفعله، ثم تذكرت موعدها مع مصطفى الشامي، فأسرعت إلى حديقة الأزبكية ووجدته في انتظارها وعلامات القلق تكسو وجهه، أخبرته بما فعلته مع أمها وبكت لأنها أصبحت وحيدة في بلد غريبة ولا تعرف فيها أحداً.

هدّأ مصطفى من روعها وعرض عليها اصطحابها إلى منزله، وراح يحدثها عن عائلته وعن زوجة أخيه وكم هي لطيفة وستسعد بها، فرافقته بديعة وهي في كامل الرضا والاطمئنان، وبالفعل استقبلتها زوجة أخيه بلطف ومحبة، وهونت عليها عائلة الشامي وأنستها تماماً أنها ضيفة وتعاملت معها كأنها صاحبة البيت، فأخبرها محمد الشامي أنه متكفّل بنفقات الإقامة والطعام، ودفع مرتب قدره ستة جنيهات، فكادت تطير من الفرح وشعرت بالراحة مع هذه الأسرة البسيطة الطيبة.

الانطلاقة الأولى

بدأت بديعة رحلتها الفنية مع فرقة الشامي في مدن الصعيد، وكانت أولى المحطات في بني سويف، حيث قدمت مع الفرقة خمس حفلات متتالية، ونجحت العروض نجاحاً مبهراً، فأكدت بديعة موهبتها على رغم أن دورها كان صغيراً، لكن الجمهور كان ينتظر ظهورها على المسرح ليصفق لها بإعجاب شديد، ثم انتقلت الفرقة بعد ذلك إلى المنيا ولاقت النجاح نفسه.

كان الشيخ أحمد الشامي يراقب بديعة ويتابع أداءها من دون أن تشعر ولمس موهبتها، فراح يسند إليها الأدوار، فاجتهدت في إتقان كل دور وحفظه، من دون الاعتماد على الملقن، وأدائه بصوت قوي رنان، في وقت كان صوت الممثل هو سنده الوحيد، فلم تكن تتوافر مكبرات صوت أو آلات تجعل للأصوات نغمات، كل شيء كان على طبيعته وكان الصوت القوي أحد العناصر المهمة في تحديد نجاح الممثل أو فشله.

أثبتت بديعة نجاحها فأسند إليها الشامي دور البطولة في مسرحية «الإبن الخارق للطبيعة»، بدلاً من السيدة صوفيا، ممثلة أجنبية كانت زوجة شقيق مصطفى الشامي، فهللت بديعة فرحاً بهذا التقدم وأدت الدور بشموخ وفخر، وكانت تتنقل فوق خشبة المسرح بثقة، ما أدهش أعضاء الفرقة، واستقبلها الجمهور استقبالاً رائعاً، فكانت بداية مشجّعة لها في عالم الغناء والتمثيل والرقص.

استغرقت الرحلة حوالى شهرين، وفي طريق العودة إلى القاهرة انتبهت بديعة إلى شخص كان يتابع تحركاتها ويجلس في مقصورة خاصة في المسرح وينتظر ظهورها ويصفق تصفيقاً حاداً بعد كل مشهد تؤديه، فأثار فضولها وحاولت معرفة هوية هذا الشخص الذي تظهر عليه علامات الثراء.

سيد بك زكي

في إحدى الليالي وبعدما انتهت بديعة من تقديم دورها في المسرحية، دخل ذلك الشخص الكواليس، فاقترب منه أعضاء الفرقة وكانوا ينادونه بـ «سيد بك» ورحبوا به بشكل يدلّ على أهميته في المجتمع، إلا أنه تجاوز هذا الاستقبال الحار وتقدم من بديعة وأبدى إعجابه بها وبخبرتها العالية في التمثيل على رغم صغر سنها ثم دعا الفرقة إلى تناول الغداء في عزبته.

وفي اليوم التالي أرسل لهم عربات حنطور وخيولاً لتنقلهم إلى عزبته، حيث أقام لهم مائدة حافلة بألذ أنواع الطعام، إلا أنه لم يخفِ اهتمامه الخاص ببديعة، وقبل مغادرة أعضاء الفرقة اقترب منها وأعرب لها عن رغبته في لقائها ثانية فوافقت.

عادت الفرقة إلى القاهرة والتقى الأعضاء بعائلاتهم، أما بديعة فلم يكن لها عائلة أو زوج أو موطن تشعر فيه بالأمان، لاحظ سيد زكي حيرتها فحجز لها غرفة في أحد الفنادق وحجز لنفسه غرفة أخرى، ثم طلبت منه أن يصطحبها إلى المسارح للتعرف إلى كبار الفنانين فوافق، وكان مطلبها الأول أن يذهب بها إلى الشيخ سلامة حجازي فوافق فوراً.

في تلك الأثناء، كانت فرقة حجازي تقدّم رواية «روميو وجولييت»، فانبهرت بديعة بعظمة أداء الشيخ، ثم أخذها سيد بك إلى مقهى الهمبرا، حيث تغني منيرة المهدية، سلطانة الطرب آنذاك، وكانت في أوج شبابها وجمالها وصوتها يجلجل في المكان وهي تغني، وكان عشاقها من طبقة الأفندية ومن البسطاء وكانوا جميعهم لا يبرحون مقهى الهمبرا حتى يستمعوا إلى السلطانة.

انبهرت بديعة بمنيرة المهدية إلى درجة أنها حفظت أغنيتها من المرة الأولى وأخذت ترددها وهي عائدة إلى الفندق بصحبة سيد بك، وسرعان ما أصبحت من عشاق صوتها وواظبت على الاستماع الدائم إليها. من ثم انتقلت بديعة إلى مقهى «ألف ليلة وليلة» حيث كانت تغني «الست توحيدة»، فداومت على الحضور والاستماع إليها، لكن توحيدة لم تجذبها مثل منيرة.

كان سيد زكي محامياً مشهوراً يهوى الفن، وكان أصدقاؤه من أسر كبيرة تتمتع بثراء ونفوذ، ارتبط عاطفياً ببديعة وقدمها على كل أعماله، فكان يقضي معظم أوقاته معها ويرافقها إلى المسارح والمقاهي، عاشت بديعة في ظله حياة مرفهة، فأقامت معه في بني سويف فترة، لكنها سرعان ما ضاقت بوضعها كونها لا تصنع شيئاً وتذكرت عملها في فرقة الشامي وكيف أنها أجادت أكبر الأدوار وقررت العودة إلى الفن.

يوسف شمعون

عاشت بديعة فترة طويلة عند سيد بك، لم يكن ثمة علاقة تربط بينهما، فلا هو قريبها ولا هو زوجها أو حتى خطيبها، وخافت من عواقب هذا الوضع. ذات ليلة قررت بديعة الانطلاق نحو الهدف الذي من أجله جاءت إلى مصر، أي الفن، فطلبت من سيد أن تعود إلى القاهرة، فلبى طلبها فوراً، وفي أحد الأيام بينما كانت تتجوّل في أحد شوارعها التقت أحد معارفها اللبنانيين، وهو الصحافي يوسف شمعون.

سألها عن سبب وجودها في القاهرة فأجابته أنها تعمل في التمثيل، فأعرب عن رغبته في مشاهدتها وهي تمثل، وسألها عن المكان الذي تمثل فيه فأجابته: «مع إحدى الفرق المتجولة التي تجوب الأرياف وتقدم عروضاً مسرحية»، فأقنعها بمرافقته إلى بيروت وقال لها: «سأجد لك عملاً جيداً، لكن تفتقر بلادنا إلى الفرق والمسارح، لو كنتِ تعلمتِ الرقص أو الغناء لكان بإمكاني أن أجد لك عملاً من دون أي عناء»، فقالت له: «من أخبرك أنني لا أستطيع الغناء؟ أنا أغني وأعرف طقاطيق منيرة المهدية وأجيد الرقص أيضاً، سواء كان شرقياً أو غربياً»، استحسن شمعون كلامها، وقال لها: «ما دمت تتقنين الرقص والغناء رافقيني إلى بيروت وسيكون لك شأن كبير هناك، حيث تكونين أول فتاة عربية تغني وترقص، وستتغلبين على الفتيات الأجنبيات اللواتي يعملن في هذا المجال»، ونصحها شمعون بالعودة إلى وطنها وترك لها رقم هاتفه في جريدة «المقطم».

عادت بديعة إلى الفندق وكلمات شمعون تتردد في أذنها، وراح حلم أن تكون أول فتاة عربية تعمل في الغناء يغازلها، وقالت لنفسها: «لمَ لا أذهب إلى بيروت وأكون أول فتاة تغني هناك وأشتهر ويكبر اسمي... وأنتقم من قريبيّ جورج وليان اللذين طرداني من حياتهما... ألم يتعامل معي جورج على أنني خادمة؟ لماذا لا أعمل في الفن وبكامل حريتي وباسم «بديعة مصابني»، فأوجه بذلك صفعة كبرى على وجه الوجيه والثري الكبير جورج مصابني؟ لا بد من أن يقول الناس إن ابنة عم جورج بك مصابني تعمل أرتيست».

بينما هي غارقة في حيرة دخل عليها سيد ولاحظ القلق على وجهها، وحاول أن يعرف منها سبب ذلك، فتمنعت بديعة في البداية، ثم ما لبثت أن أخبرته بعرض يوسف شمعون لها، فقال لها سيّد: «على رغم شدة حبي لك، إلا أنني لن أقف أمام مستقبلك، أنت موهوبة وتستحقين فرصة أكبر، وقد شاهدتك بنفسي وأنت تقدمين أصعب الأدوار، يمكنك أن تعملي في التمثيل هنا في مصر من دون أن تخسري صداقتك لي، أما إذا كنت تصرين على السفر إلى بيروت، فلا يسعني إلا أن أدعو الله أن يجعل التوفيق حليفك، وإذا وجدت أن الحياة صعبة هناك وضاقت بك الظروف، فيمكنك العودة إلى مصر وسأكون أول من يستقبلك، وسأنتظرك إلى يوم تعودين إلي».

قدّم سيد زكي نموذجاً للنبل الحقيقي والكرم الإنساني الواضح، ولم يكتفِ بنصحها، بل قصد في الصباح يوسف شمعون ودعاه إلى العشاء، واجتمع الثلاثة سيد ويوسف وبديعة، وتحدثوا في موضوع سفرها إلى بيروت، وكان سيد حريصاً في النهاية على مصلحة بديعة.

في موعد السفر تألمت بديعة لفراق سيد، هذا الرجل الشهم والكريم والنبيل، إلا أن إصرارها على السفر إلى بيروت كان لمعرفة ماذا حدث لأمها، إلى جانب طموحها بتحقيق المكانة الكبيرة التي وعدها بها يوسف شمعون، مع أنها مجازفة وتنطوي على مخاطر كبرى لكنها قبلت بها.

في بيروت

عادت بديعة إلى بيروت عن طريق البحر، وكان برفقتها يوسف شمعون الذي راهن على موهبتها وتوقع أن تكون علامة فارقة في بيروت.

كان شمعون اتفق معها على أن يقدمها إلى مدام جانيت، صاحبة أحد الكباريهات في بيروت وأول من أدخل «الميوزك هول» إليها، ولم يكن بين الفتيات اللواتي تتعاقد معهن أي فنانة عربية تذكر، بل كنّ في معظمهن فرنسيات ونمساويات ورومانيات وألمانيات.

اصطحب سيد بديعة إلى كباريه مدام جانيت، فجلست بمحاذاة المسرح وراقبت الراقصات وكيف يعرضن ما أمكنهن من مفاتن، فدفعتها نشوة الفرح إلى التصفيق الحاد بعد كل حركة تقوم بها الراقصات، ما أدهش رواد الكباريه، الذين كانوا في غالبيتهم من الرجال ولم يكن من المعتاد أن يشاهدوا فتاة تجلس مع أي رجل، ربما كانت المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، وظن البعض أنها قد تكون أجنبية لا سيما أن بشرة بديعة ولونها يوحيان بأنها أوروبية.

بعد انتهاء القسم الأول من السهرة، فوجئت بديعة بمدام جانيت تقترب منها برفقة شمعون، فاستفسرت عن مكان إقامتها في بيروت وأخبرها شمعون أن بديعة قادمة من مصر، حيث عملت مع فرق مسرحية متجولة وتجيد الرقص والغناء معاً. فعرضت عليها مدام جانيت العمل معها فوافقت بديعة، ثم اتفقا على أن يلتقيا في اليوم التالي.

كانت جانيت تبحث عن فتاة عربية تكسر الطابع الأجنبي في الكباريه، لذا عرضت على بديعة العمل وسهّلت عليها المهمة، وكان التعارف بين بديعة، المغنية الجديدة، وبين مدام جانيت صاحبة الكباريه بداية مرحلة جديدة في حياة بديعة، ربما أوصلتها إلى سماء أخرى أو أرض أخرى وعالم قد تهنأ به أو يزيدها حزناً على حزن.