صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3986

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

صانعة النجوم عاشت في أحضان الأُنس والألم... (7) بديعة مصابني... معشوقة الجماهير

  • 18-08-2010 | 00:00

كان شبح توفيق يطارد بديعة بعد المشادة الكبيرة التي حدثت بينهما، لقد أفسد حياتها سابقاً، لكنها الآن الفنانة بديعة مصابني صاحبة الشهرة والثياب المزركشة والحلى الذهبية، ومع ذلك قررت ترك الشام والعودة إلى بيروت.

ما إن عادت بديعة إلى بيروت حتى انتشر خبر وصولها بين أصحاب الملاهي، إذ كانوا على دراية بالنجاح الذي حققته في مقهى «كوكب الشرق»، فتعاقدت مع مالك مقهى «المرصد» الكائن في ساحة الشهداء في بيروت، وبدأت تشعل لياليه طرباً ورقصاً وتجذب آلاف المعجبين.

بينما كانت بديعة تحقّق نجاحاً غير مسبوق، كانت زميلاتها يتمزّقن من الغيظ، وراحت إحداهن واسمها عدلة تدبر لها المكائد، وفي إحدى الليالي اتفقت بديعة مع بعض الحاضرين على أن يطلبوا من عدلة أن تؤدي أغنية، وما إن بدأت الغناء حتى انتفض الجمهور من نشاز صوتها، ثم أخذ يصفّق ويستنكر ذلك الصوت، فضاعت الأغنية في ظل الهرج اعتراضاً على صوت عدلة، فما كان منها إلا أن نزلت عن المسرح والغيظ يملؤها، وعلى غير المتوقّع هجمت عدلة على بديعة وراحت تشدّها من شعرها بقسوة بالغة، ولم تستطع بديعة الدفاع عن نفسها، فتمكّنت عدلة من تمزيق فستانها، وتقطيع عقدها الذي كان يزيّن رقبتها وكان من الماس الحقيقي. لم ينقذ بديعة من عدلة سوى الرواد الموجودين في الملهى، وعندما أفلتت بديعة منها وجدت عقدها حبات متناثرة تحت الأقدام، فثارت وحزنت بشدة وعزّ عليها أن تحرمها عدلة من أولى القطع الثمينة في حياتها، فتركت مقهى «المرصد»، وانقطعت عن العمل وانزوت في دارها بعيداً عن الغيرة والحقد والحسد.

حاول مالك «المرصد» استرضاء بديعة بالطرق كافة، لكنها صممت على موقفها، فأحضر عدلة إلى منزل بديعة لتعتذر لها عما فعلته بها، ونتيجة لذلك عادت إلى المقهى مجدداً تواصل عملها في الرقص والغناء متألقة ومتوهجة.

في «لونابارك»

ذات يوم حضر إلى بيروت كلّ من زكي ضاهر وبشير القصير قادمَين من حلب، وكانا من أصحاب المقاهي الشهيرة في حلب، ويديران سوياً مقهى «لونابارك» الشهير، وكانا قد اتفقا مع الممثل المعروف جورج أبيض، على أن يأتي بفرقته إلى حلب، ومع أوركسترا أجنبية مشهورة، ولم يعد ينقصهما سوى فنانة تجيد الرقص والغناء، فوقع اختيارهما على بديعة، التي وافقت على العمل معهما بأجر قيمته 75 ليرة ذهبية، أعلى أجر في ذلك الزمن.

أثرت ظروف الحرب على بيروت بشدة، فانتشرت الأمراض، وجفت الزراعات، وقلت الحبوب والخضار، وانتشرت المجاعة، وهدّد شبح الموت كل سكانها وكان يحصد يومياً العشرات منهم.

في تلك الظروف تذكرت بديعة صديقها الضابط التركي صلاح الدين، فقد كان وسيلتها لإرسال الزاد إلى أختها نظلة المقيمة في قرية شيخان، ثم فكرت في أن تستقدمها وأولادها إلى بيروت، وبالفعل حصل الضابط على إذن لبديعة بذهاب شقيقتها إلى بيروت حيث استأجرت منزلاً مناسباً لها ولأولادها الثلاثة: ماري وإيميل وأنطوان.

وفاة أم بديعة

عادت بديعة بعد ذلك تفكّر في أمها، تُرى ماذا تفعل الآن؟ فكّرت في أن تستحضرها هي الأخرى لتعيش مع نظلة في بيروت، فتركت عملها وتوجّهت إلى سورية حيث تقيم أمها. تألمت بديعة جداً من الصورة المحزنة التي شاهدت بها والدتها، فقد كانت طريحة الفراش ترقد وحيدة في ظلمة موحشة أشبه بالأموات. ظنّت الأم يوم هربت منها بديعة في القطار أن مكروهاً حدث لابنتها، فظلت تصرخ وتبكي عليها طوال الرحلة، حتى أخبرها ابنها توفيق بأنها تغني وترقص في مقهى القوتلي.

تناست بديعة أية ارتباطات فنية، ومكثت مع أمها أكثر من أسبوعين ترعاها وتهتم بها حتى تماثلت الى الشفاء، ثم أرسلت إلى صلاح الدين تطلب منه الحضور لمساعدتها في نقل أمها الى بيروت، وهذا ما حصل.

آنذاك، أصيبت بديعة بارتفاع في الحرارة، وظهرت على وجهها بقع حمراء، وعن طريق صلاح الدين عُرضت على طبيب فشخّص إصابتها بالجدري، وطلب نقلها فوراً إلى المستشفى، وقد كانت المستشفيات خلال الحرب تمتلئ أسرتها بالجرحى، لكن وجود صلاح الدين معها كان يذلّل الصعاب.

خافت بديعة بعد إصابتها بالجدري بشدة، فهو سيقضي على جمالها، رأس مالها في الدنيا، وسبب تخلّصها من الجوع والفقر والذل، والمساهم في تحوّلها من بديعة المسكينة إلى صاحبة العز والجاه، فلولا هذا الجمال لما استطاعت أن تأسر القلوب وتوقع الكثيرين في شباك حبها، ومنهم الضابط التركي صلاح الدين، كان هذا الجمال وراء «كسر أنف» شقيقها توفيق وسبباً في إذلاله حينما شاهدها تغني وترقص وهمّ لضربها، فوجد الآلاف يتدافعون من أجلها. لذلك كله، قررت بديعة الانتحار، لكن ضعفها في مواجهة الموت منعها من ذلك.

لكن الأمور سارت على غير ما ظنّت بديعة، فقد شفيت من الجدري من دون أن يترك أثراً على وجهها، فغادرت المستشفى بعد قضاء أسبوعين كاملين، وقضت فترة النقاهة في منزل العائلة في الشام، برفقة والدتها وصلاح الدين الذي لم يتركها وكان دائم التردد عليها يومياً، حتى نهضت من محنتها.

بعد استقرار الأمور طلبت بديعة من أمها الذهاب معها إلى بيروت للعيش مع نظلة، فما كان من الأم إلا أن دخلت في نوبة بكاء، قائلة: «إنني أبكيك يا ابنتي وأبكي عليك، كيف تريدين أن أذهب للحياة معك وأنت تعيشين مثل هذه الحياة، كيف أتحمل أن أتخيلك وأنت تقفين على المسرح تتمايلين وتتراقصين أمام السكارى والخارجين على المجتمع، كيف أنسى أنني تعبت في تربيتك كي أحافظ عليك مهما كانت الظروف، إنني أوقن يا ابنتي أن اليأس والألم هما اللذان دفعا بك نحو هذه الحياة، وأعرف أيضاً أن حياتي معك ستثير غضب أقاربي وأنت تعلمين جيداً أن غالبيتهم من القساوسة ورجال الدين الورعين، إن خبر موتك كان أهون عندي من أن أسمع أنك تعملين راقصة أو مغنية في المسارح، أعلم يا ابنتي أننا صرنا مضغة على كل الألسنة بسبب عملك هذا. أنت منذ الصغر كنت سبباً في ذلنا وانكسارنا، أنت العار بصورته، وكان قدومك نذير الشؤم على العائلة، ولو كنت أعلم أن هذا سيكون مصيرك كنت خنقتك بهذين اليدين وأنت في المهد».

بعد إلحاح مرير من بديعة، قبلت الأم مرافقتها إلى بيروت، وفي القطار فقدت الأخيرة وعيها، ولما استفاقت نظرت إلى بديعة بأسى وقالت لها: «لا تتركيني يا بديعة فأنا لن أتعبك ثانيةً، أشعر بأن الموت قريب مني، وأنا وحيدة ولم يعد لي سواك، لقد تخلى الجميع عني، لقد عشت مهمومة بك، ويعلم الله أني أحبك أكثر من الجميع، وأعرف أنني قسوت عليك».

عانت بديعة كثيراً حتى استطاعت الوصول بأمها الى منزل نظلة في بيروت، وكانت قواها خارت تماماً، فاستدعت الطبيب الذي عجز عن فعل شيء لأمها، فقد كانت نهايتها قد حانت، وسرعان ما توفّيت.

في طرابلس

عادت بديعة إلى سورية، ومع انتشار خبر عودتها تدفّق أصحاب الملاهي عليها مقدّمين لها عروضاً مغرية للعمل لديهم، كذلك أرسل لها حسن بك الأنجي، كان من وجهاء طرابلس- شمال لبنان وكبار أثريائها، رجلين لدعوتها إلى العمل في طرابلس، لكنها اعتذرت لارتباطها مع صاحب «لونابارك» في حلب، فأخبراها بأن هذا المقهى غير جاهز راهناً بسب أعمال الصيانة فيه، وطلبا منها الذهاب معهما ولو لمدة شهر فقط.

كان لحسن بك الأنجي نفوذ كبير في طرابلس، فقد أقام مسرحاً كبيراً في غاية الدقة والتنظيم، وأشرف بنفسه على ترتيبه وتجهيزه، وكان مسرحاً خالصاً وليس مقهى تمارَس فيه ألعاب الطاولة والدومينو، وتكثر فيه الخناقات والمشاجرات، وكان معروفاً عن الأنجي أنه يهتم بالفنانات اللاتي يعملن لديه، فقد بنى لهنّ غرفاً خاصة خلف مبنى المسرح نفسه، كذلك كان يضع تحت تصرفهنّ خادماً أصم أبكم، ولا يترك فرصة احتياج إحداهن إلى أي شيء، من مأكل وملبس وحياة كريمة على حسابه الخاص، وقد أسعد هذا الوضع بديعة، وجعل أفراد التخت يشعرون براحة كبيرة أيضاً في هذا الجو. وكان من بين أفراد هذا التخت عازف العود المشهور محيي الدين بعيسون.

وبما أنهم من متذوّقي الموسيقى والألحان استقبل الطرابلسيون بديعة بحفاوة بالغة، وشجّعوها أحسن التشجيع، وكانت الهدايا لا تنقطع عنها، فقد كان من عادة هؤلاء آنذاك أن تُرش الراقصة على المسرح بالذهب والفضة.

عملت بديعة في طرابلس بصحبة زميلتها وصديقتها ماري بار مدة الشهر المتّفق عليه مع الأنجي، لكن الأخير تمسّك بهما ولم يكن ليدعهما تذهبان إلى حلب، لولا أن بشير القصير صاحب الـ «لونابارك» جاء بنفسه ليأخذهما إلى حلب.

العودة إلى حلب

وصلت بديعة وماري إلى حلب، وزارتا «لونابارك» بعد التجديد، فوجدتاه مبهراً، حيث الأضواء والتنسيق الرائع، وهناك التقت بديعة بفرقة الفنانات النمساويات العازفات اللواتي عملن مع بديعة في مقهى «كوكب الشرق»، واتفقت معهنّ على العمل في حلب، فوافقن من دون نقاش وذلك بسبب ذوق الحلبيين الفني وعشقهم للموسيقى، بالإضافة إلى أن المسرح الذي يعملن به يخلو من ألعاب الدومينو والطاولة والتريك تراك، وهي ألعاب كانت تنشأ بسببها خناقات ومعارك تثير الرعب في نفوس الفنان.

آنذاك، اعتاد الـ{لونابارك» تقديم حفلتين ليلياً، الأولى باسم «عصرية» كانت تقدّم عصراً، والثانية باسم «مسوية» كانت تقدم مساءً. كان الجمهور الحلبي يعشق سهرات هذا المقهى، ويقبل عليه إقبالاً لا نظير له، ما دفع بديعة الى العمل بحماسة شديدة، فكانت ترتدي ملابس مزركشة وتصعد إلى المسرح فيقابلها الجمهور بعاصفة من التصفيق، وكانت دائماً تغني «أنت سورية يا بلادي» مفتخرة بزي الفتاة العربية، وأغنية «زوروني كل سنة مرة»، و{طلعت يا محلا نورها» وكانت تبدل فساتين كثيرة في كل ليلة، فأصبح المسرح مبعثاً للبهجة على يدي بديعة مصابني ومن معها، وزاد الإقبال عليها لدرجة راح الحاضرون ينتزعون مقاعد الأوركسترا، فانتشرت أغنياتها في ربوع حلب، وأصبحت على كل لسان.

في تلك الأثناء جاء إلى حلب الممثل جورج أبيض مصطحباً معه فرقته كاملة، وكان قد استُعدّ لقدومه، فجُهّزت قاعة فخمة من أروع القاعات، وكان أبيض جلب معه من القاهرة ستائر بديعة ذات ألوان زاهية، ومناظر لتمثيليات عدة، وعدداً من صناديق الملابس، أي ما يكفي لإقامة مسرح كبير، وكانت الفرقة مكوّنة من ألمع الممثلين في المسرح العربي قاطبة، كذلك اصطحب أبيض معه مطرباً من مشاهير المطربين آنذاك هو حامد مرسي.

بديعة تسرق الأضواء

ما إن وصل الخبر إلى الناس في حلب بقدوم جورج أبيض حتى تدافعوا الى حجز المقاعد الأمامية قبل العرض بأيام عدة، وكانت بديعة أثناءها بلغت من الشهرة مبلغاً كبيراً وشأنا عظيماً، فسحبت جمهور فرقة أبيض، إذ كان يترك مسرح أبيض أثناء العرض ويذهب إلى حيث كانت بديعة تغني وترقص، ما دفع أبيض إلى العودة وفرقته إلى مصر يجرون أذيال الفشل.

أخذت بديعة تنوّع استعراضاتها، وأمام الانتشار الكبير والجماهيرية التي حققتها بديعة، طالبت وزميلتها ماري مالك المقهى برفع أجرهما وإلا استقالتا من العمل لديه وأمام إصرارهما رفع مرتّب بديعة إلى مائة وخمسين ليرة ذهبية بدلاً من خمس وسبعين ليرة، ورفع أجر زميلتها ماري بار إلى تسعين ليرة ذهباً.

آنذاك، قدمت إلى حلب فرق سبق أن اتفقت مع أصحاب المقاهي العديدة المنتشرة في حلب، من بينها فرقة هدية وشقيقتها وهيبة، وكان معروفاً عن وهيبة أنها صاحبة لسان حاد وبذيء وتكره الناس، تعشق الشجار ودائمة الثرثرة، وكان أول ما فعلته عند نزولها إلى حلب السؤال عن بديعة مصابني بصيغة استنكارية مستفزّة: «ماذا عن أخبار المدعوة بديعة وزميلتها ماري؟»، فكانت الإجابة: « استطاعت بديعة أن تبلع السوق يا وهيبة»، وفوراً ردت وهيبة بتعجّب: {مع أنها لا تحسن الرقص ولا الغناء»، وراحت تتحدث بحقد ظاهر عن بديعة، قائلة: «غداً يذوب الثلج ويظهر المرج»، وكان المقصود بكلامها أنها ما إن تبدأ في العمل حتى تطيح ببديعة ومن معها، لكن الدلائل كافة كانت تؤكد أن بديعة أصبحت إحدى علامات حلب، وأصبحت قوة لا يستهان بها، ولا بد من أن تقوم وهيبة بشيء لتقصي به بديعة.

علمت بديعة بعد ذلك أن وهيبة ومن معها يدبرون شيئاً ما لإحراجها أو إيذائها، فغمرها الخوف والقلق، وبدأت تسأل نفسها: ترى ماذا تريد وهيبة مني؟ وماذا بإمكانها أن تفعل؟