صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الملالي مسؤولون عن إحباط طموحات إيران الديمقراطية

  • 22-08-2010

سجل الخميس الماضي ذكرى أحد أكثر الأحداث التي يحاك بشأنها أساطير وأقاويل في التاريخ، الذي وافق انقلاب عام 1953 في إيران، والذي أطاح برئيس الوزراء محمد مصدق. وقد دفع ضلوع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في ذلك الحدث منذ زمن طويل، السياسيين الأميركيين إلى تقديم اعتذارهم، والنظام الديني إلى الشجب، لكن المشكلة مع القصة السائدة أن دور الوكالة في إطاحة مصدق لم يكن ذا تأثير. فالمؤسسة الدينية هي المسؤولة بشكل خاص عن إجهاض مرحلة الحكم الديمقراطي هذه في إيران، ولا يجب أن تتمكن الجمهورية الإسلامية من تبرئة رجال الدين من ذنبهم.

رُويت الحكاية الدرامية عن تدبير أميركيين حاقدين انقلاباً ضد مصدق، في ما يُعرف بعملية "أجاكس"، مرات كثيرة بلهفة إلى حد أنها أصبحت حقيقة. لا شك في أن طاقم الشخصيات المشاركة في العملية مذهل: كيرميت روزفلت، سليل عائلة سياسية أميركية بارزة دفع لمأجورين للتحريض على مصدق العاثر الحظ؛ وعملاء أميركيون دعموا شاهاً متردداً للعودة من منفاه والمطالبة بعرشه؛ ومحرّضون شيوعيون وقوميون شاركوا في مظاهرات بتمويل من الولايات المتحدة. تقول الرواية إنه مع انتقال إيران من أزمة إلى أخرى، ضغط روزفلت على ضباط كارهين لإنهاء ولاية مصدق الديمقراطية الوجيزة إنما البالغة الأهمية.  

لكن هذه الحكاية تخفي الكثير بشأن مجرى الأحداث الفعلي. في عام 1953، كانت إيران تعيش في خضم أزمة اقتصادية. فقد فُرض عليها حصار نفطي بعد تأميمها شركة النفط الإنكليزية الإيرانية، الأمر الذي أدى في ذلك الصيف إلى تفكك تحالف مصدق الحاكم. على نحو مماثل، عانت طبقة التجار العواقب المالية الناجمة عن رفض مصدق العنيد حل المأزق مع البريطانيين. فضلاً عن ذلك، كانت نخب المفكرين والمثقفين وطبقات المحترفين تخشى ميول رئيس الوزراء التي تزداد تسلّطاً. فبدأت تسري شائعات عن انقلابات عسكرية مع تعالي أصوات عناصر القوات المسلحة في التعبير عن امتعاضهم من رئيس الوزراء وشروعهم في حبك المؤامرات السياسية.  

وهكذا وقفت شرائح مختلفة من المجتمع الإيراني ضد مصدق وليس النخب فحسب.  كانت وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك الحين تسعى بالفعل إلى إطاحة مصدق، لذلك أجرت اتصالات في ذلك الربيع مع الشاه الدائم التردد والضباط الإيرانيين، بمن فيهم الجنرال فضل الله زاهدي، ضابط انتهازي كان يطمح إلى رئاسة الوزراء. أعد روزفلت خطة يصدر الشاه بموجبها مرسوماً ملكياً يعزل فيه مصدق، وكان يُفترض أن تُسلم له في 15 أغسطس، لكن القائد الذي كان يُفترض به نقل الرسالة اعتُقل، وسرعان ما كُشفت المؤامرة. وهنا، تتخذ الرواية منعطفاً مختلفاً. مع شيوع خبر محاولة تنفيذ انقلاب، فر الشاه من إيران، وتوارى زاهدي عن الأنظار. على نحو مفاجئ، لم يكن للولايات المتحدة خطة بديلة، حسبما تشير السجلات الأميركية التي كُشف عنها على مر العقد الماضي. كانت واشنطن على استعداد كبير للتخلي عن الأمر. في المقابل، تقر وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية في برقياتهما المتبادلة بانهيار مساعيهما الانقلابية.

لكن بينما أبدى الأميركيون الخائبون استعداداً للتخلّي عن مهمتهم، مضت القوات المسلحة ورجال الدين قدما للإطاحة بمصدق. لطالما كان رد فعل كبار رجال الدين على الأزمة الوطنية المتفاقمة موضع شبهة وقلق، إذ لطالما أبغض هؤلاء ميول التحديث لدى السياسيين العلمانيين أمثال مصدق، وسعيهم وراء الحكم الجمهوري والتحرر. لذلك فضّل الملالي إطاعة الشاه المحافظ ولو أنه متردد على مشروع مصدق العلماني. وهكذا بعد محاولة الانقلاب، أعطى كبار رجال الدين في قم موافقتهم الضمنية لرئيس مجلس الشوري آية الله كاشاني. فأدوا دوراً رئيساً في تنظيم التظاهرات التي اجتاحت طهران، وذلك عبر اتصالاتهم مع البازار وقدرتهم على استثارة المشاعر الشعبية. عندئذ، عُزل مصدق، لكن مع ميل أهواء المتظاهرين في الشارع نحو الشاه، تدخل الجيش وأزاح مصدق. وبعد أيام على فشل محاولة الانقلاب الذي خططت له وكالة الاستخبارات المركزية، عاد الشاه إلى إيران وسط احتفال وطني.

في أثناء كل ذلك، كان روزفلت ومن ساعده في التخطيط للانقلاب مراقبين متفاجئين أكثر منهم محرّضين فاعلين. جاءت مساهمة روزفلت الأهم في التاريخ الإيراني في نشره رواية مزخرفة عن إخفاقاته بعد مرور أكثر من عقدين على الانقلاب. تمكنت هذه الرواية المعيبة من تحديد إطار الجدالات واستقطاب المخيلة الشعبية، بالرغم من أن واشنطن في الحقيقة بوغتت بكيفية الرد على الأحداث في طهران. في هذا السياق، اعترف الرئيس دوايت إيزنهاور في يومياته بعد سماعه رواية روزفلت: "استمعت إلى تقريره المفصل، وبدا لي أشبه برواية وردية أكثر منه حقيقة تاريخية".

يميل السياسيون الأميركيون إلى الاعتراف بذنبهم والاعتذار عن أخطائهم الماضية. لكن مسؤولية كبت الطموحات الديمقراطية للشعب الإيراني في صيف عام 1953 تقع بشكل رئيسي على أولئك الذين مضوا لسحق حركة ديمقراطية أخرى في عام 2009: الملالي. فهؤلاء هم من عليهم الاعتذار الى الشعب الإيراني.

راي تاكيه | Ray Takeyh