صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3904

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل يجب أن تنقلب وكالة الاستخبارات المركزية ضد الجواسيس في باكستان؟

  • 31-12-2010

تُعيدنا المعطيات الراهنة إلى مشكلة وكالة الاستخبارات المركزية، حيث يعمد كبار الضباط العسكريين الأميركيين الآن، بكثيرٍ من المرارة، إلى التشديد على دور باكستان الشرير في مساعدة حركة "طالبان" الأفغانية، وينقل الصحافيون الأميركيون الذين يتحدثون مع أولئك الضباط مدى تذمرهم بهذا الشأن.

تشير الفوضى الأخيرة التي طبعت العلاقات بين وكالة الاستخبارات المركزية ومديرية الاستخبارات الباكستانية، على خلفية انكشاف هوية أحد أكبر الجواسيس الأميركيين المُكلفين من الوكالة، إلى تحول مهم ومثير للسخرية على مستوى العاطفة التاريخية التي لطالما أبدتها وكالة الاستخبارات في لانغلي تجاه الأجهزة الاستخبارية الباكستانية. من غير المألوف أن يُستدعى أي جاسوس مهم إلى دياره بعد خدمته في بلدٍ كانت تتمتع وكالة الاستخبارات المركزية فيه بعلاقة وثيقة مع الجهاز الاستخباري المضيف، ولا شك أن الوكالة لم تُقدم على أمر مماثل لمجرد الإفصاح عن الاسم الحقيقي لأحد المسؤولين الاستخباريين في الصحافة، علماً أن الأمر يتعلق بدعوى وفاة غير مشروعة نتيجة حادثة تسببت بها طائرة بلا طيار.

قد يكون الجو السياسي والعملي الذي ساد بعد الكشف عن هوية الجاسوس الأميركي- سواء كانت مديرية الاستخبارات الباكستانية هي التي شجعت على رفع الدعوى القانونية أم ساهمت في نشر الخبر- هو أكثر ما يزعج وكالة الاستخبارات المركزية. تجدر الإشارة إلى أن الاحتمال كبير في أن تكون كل منظمة إرهابية مهمة في باكستان، بما في ذلك "القاعدة"، علمت بهوية الجاسوس الحقيقية بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى البلاد. عادةً ما يكون المسؤول الاستخباراتي أو الجاسوس شخصية معروفة في أوساط النخب السياسية والعسكرية في بلدان العالم الثالث حيث يتم تناقل المعلومات بسرعة فائقة. في باكستان، حيث قد ترتبط الشخصيات المهمة، المدنية منها والعسكرية، بعلاقات وثيقة مع الجماعات الإسلامية المقاتلة، تزيد الأمور تعقيداً بسبب هذا "الارتباط المكشوف" على مستوى حياة وعمل معظم الضباط التابعين لـ"سي أي إيه"، إذ لا يمكن عكس مفاعيل الكشف عن هويتهم الحقيقية.

منذ حقبة الحرب السوفياتية الأفغانية (بين عامي 1979 و1989)، لطالما أبدت وكالة الاستخبارات المركزية حرصها، لا بل حماستها، للدفاع عن أكثر الممارسات الفادحة التي ارتكبتها مديرية الاستخبارات الباكستانية – أو على الأقل تجاهلها- وتحديداً حين دعمت المقاتلين الإسلاميين العنيفين في أفغانستان وكشمير، وحتى بعد أحداث 11 سبتمبر، كان الجواسيس السابقون في باكستان يدافعون عن الدعم الباكستاني لحركة "طالبان"، فضلاً عن الدعم الباكستاني لقلب الدين حكمتيار، أحد أخطر المقاتلين الإسلاميين المنتمين إلى قبيلة البشتون، وهو على الأرجح المقاتل الأوحد الذي حشد معجبين له في صفوف وكالة الاستخبارات المركزية، والحرس الثوري الإيراني، ومديرية الاستخبارات الباكستانية. (لكن إنصافاً لوكالة الاستخبارات المركزية، لابد من الاعتراف بأن المسؤول السابق في إسلام أباد، ميلت بيردن، لم يكن معجباً بالتوجه الإيديولوجي الذي اعتمده حكمتيار، ولكنه كان يشيد بحماسة ذلك المقاتل لمهاجمة السوفيات بحسب جدول أعمال توافق عليه وكالة الاستخبارات المركزية ومديرية الاستخبارات الباكستانية. كان المحاربون على خلفية دينية لا جذور لهم، ولا ينتمون إلى قبيلة معينة، وينشطون بدافعٍ إيديولوجي، لذا كانوا يتفوقون عملياً على المتمردين من أمثال أحمد شاه مسعود، الملقب بـ"أسد بانشير"، الذي حارب حصراً في أراضي إخوانه وأجداده). لطالما كانت الأعذار تتوالى من جانب كبار الضباط في وكالة الاستخبارات المركزية لتبرير أفعال الباكستانيين، وكذلك من جانب عدد كبير من المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون، لكن تراجعت هذه الأعذار الآن بما أن المتمردين الأفغان في "طالبان" باتوا يقتلون الأميركيين والأوروبيين بمساعدة باكستان.

غير أن التغيير الجذري الحاصل داخل مقر وكالة الاستخبارات المركزية حيال مديرية الاستخبارات الباكستانية، وبشكلٍ أوسع إزاء باكستان، يثير قلقاً كبيراً الآن (ولكنه يثير السخرية أيضاً). فقد حققت الحكومة الباكستانية المنتخبة ديمقراطياً نجاحاً أكبر في محاربة عناصرها الإسلاميين الأشرار داخلياً، وتحديداً المجاهدين المنتمين إلى قبيلة البشتون في المناطق القبلية التي تديرها الحكومة وفي المحافظة الحدودية الشمالية الغربية، بينما لم ينجح النظام الدكتاتوري العسكري بقيادة برويز مشرف بالقدر نفسه في هذه المهمة. مع أن الأمر لم يكن متوقعاً، بذل الجيش العسكري، بما في ذلك جهاز الاستخبارات الباكستاني الموالي له، دماءً وأموالاً إضافية لمحاربة حركة "طالبان" الباكستانية ومقاتلين إسلاميين آخرين، أكثر مما فعل في الماضي.

لا شك أن الباكستانيين يخوضون لعبة مزدوجة مع الأميركيين ومع أنفسهم، إذ يصعب التخلص من العادات القديمة، ولاسيما إذا كانت تلك العادات مترسخة في الانتماءات الإثنية والمعتقدات الدينية. كانت رؤية باكستان قبل أحداث 11 سبتمبر تتسم بالمنطق. وشكلت أفغانستان- إلى جانب حرب "طالبان" ضد التحالف الشمالي الذي تسيطر عليه مجموعة الطاجيك العرقية والتي أصبحت مختبراً للمقاتلين الإسلاميين في آسيا الوسطى، علماً أن هؤلاء يتمتعون بروح المغامرة والحاجة إلى إثبات رجولتهم- ملاذاً آمناً بالنسبة إلى عناصر البشتون الباكستانيين كي يمارسوا فيها عقائدهم الدينية الخاصة.

لم يعرف الباكستانيون من غير عناصر البشتون في منطقتي السند والبنجاب كيفية التعاطي مع عناصر البشتون الموجودين فيهما، كونهم لم يندمجوا جيداً مع الشعوب "الأكثر تحضراً" في الجنوب. (كان تجنيدهم في صفوف الجيش وسيلة فاعلة لترسيخ الروابط بينهم). كذلك، عرضت أفغانستان على الباكستانيين العلمانيين مكاناً يقيمون فيه لإظهار حسن نواياها الدينية. كما قدمت تدريباً ميدانياً للمتمردين من كشمير، وقد راق هذا الأمر للجميع في جنوب خط دوراند. تشكل الهند الهندوسية المضطربة جزءاً أساسياً من الروح الإسلامية في البلاد. في حال ضعف الأميركيون أو غيرهم من الغربيين بسبب تنامي التطرف الديني في أفغانستان التي تسيطر عليها "طالبان"، كان الأمر سيُعتبر ضرراً مقبولاً نسبياً، لكن حين ثبت أن الوضع لا يسير على خير ما يُرام، وتحديداً عندما جاء الرد الأميركي قوياً على عكس التوقعات، لم تعد إسلام أباد تفهم نظام العمل في بلادها.

غير أن باكستان تُحرز بعض التقدم، إذ يحتدم فيها النقاش الوطني بشأن التشدد الديني والهوية الوطنية، وهو يتساوى في زخمه مع المحاضرات المتعلقة بإخفاقات الولايات المتحدة وأخطائها. تُعتبر توقعات واشنطن العاجلة بشأن إسلام أباد مبررة وضرورية، لكن غير واقعية، بما أنها تشمل بذل المزيد لمنع حركة "طالبان" الأفغانية من استعمال باكستان كقاعدة لعملياتها، وغالباً ما يحدث ذلك بموافقة الجيش الباكستاني. غير أن نجاح الباكستانيين في إعادة تنظيم عالمهم يتطلب فترة من الزمن، وهي فترة أطول بكثير من تلك التي أرادها الرئيس باراك أوباما في البداية، لكن بدأ التقدم يصبح ملموساً بالفعل، إذ يشكل مقتل آلاف الباكستانيين منذ أحداث 11 سبتمبر في المعركة القائمة ضد المقاتلين الإسلاميين المحليين أكبر إثبات على حصول تحول فكري ملحوظ داخل صفوف الجيش والنخبة العلمانية المدنية.

ستتواصل هذه "الثورة" على أمل أن تصبح مترسخة داخل البلاد، وذلك حين يدرك الجيش الباكستاني والنخب المدنية أن العالم القديم انتهى بلا عودة. يعني ذلك أولاً وأخيراً أن الأفغان لن يعودوا إلى حالة الحرب الأهلية التي ستشهد عودة زحف قبائل البشتون باتجاه كابول وجر الجيش الباكستاني معها. يمكن تهدئة الخلاف المدني بين الباكستانيين- وهو أمر صحي وجوهري- من خلال تجديد مهمة البعثة الشمالية التحضرية. تشكل الحرب الأهلية في أفغانستان ضربة موجعة بالنسبة إلى الباكستانيين: ففي هذه الحالة، ستستيقظ أسوأ غرائزهم في آن!

تُعيدنا هذه المعطيات إلى مشكلة وكالة الاستخبارات المركزية، ويعمد كبار الضباط العسكريين الأميركيين الآن، بكثيرٍ من المرارة، إلى التشديد على دور باكستان الشرير في مساعدة حركة طالبان الأفغانية. وينقل الصحافيون الأميركيون الذين يتحدثون مع أولئك الضباط مدى تذمرهم بهذا الشأن. كذلك، تعكس المؤتمرات الكثيرة التي تعقدها واشنطن الأجواء السائدة وراء الكواليس: "لا يمكننا الفوز إلا في حال معالجة المشكلة الباكستانية". وقد أُضيف الآن إلى هذا الخليط من المواقف صوت وكالة الاستخبارات المركزية، وسرعان ما ستعلو الصرخات في هذا الإطار من خلال تقييم الاستخبارات الوطنية وتقديرات الاستخبارات الوطنية الخاصة (كلما وقعت الولايات المتحدة في مشكلة، يتم عرض هذه التقديرات).

من الغريب فعلاً أن يتحول الأشخاص الذين كانوا يُعامَلون باستخفاف من جانب وكالة الاستخبارات المركزية خلال الصراع السوفياتي الأفغاني وخلال حروب "طالبان" بين عامي 1994 و2001– أي مجموعة الطاجيك في وادي بانشير- إلى مصدر معلومات مهم بالنسبة إلى المسؤولين في الوكالة الذين لا يملكون أي شبكات موازية بين عناصر البشتون. كما أن نظرة مجموعة الطاجيك للباكستانيين تبقى سلبية جداً، وهو أمر مبرر.

لقد تبين، من خلال حرب العراق، أن إحكام قبضة وكالة الاستخبارات المركزية على بلد معين، ولاسيما إذا كان البلد غارقاً في أعمال العنف ولا يستطيع الضباط فيه أن يتحركوا بحرية، نادراً ما يكون فاعلاً، بل إن مقاربتها تميل إلى عكس آراء هؤلاء العناصر المحليين الذين تتعامل معهم في المقام الأول. (في العراق، كان الأمر يتعلق بمجتمع عربي سنّي، وتحديداً العرب السنّة الذين يعملون تحت جناح إياد علاوي). إذا تعرض أحد المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية للازدراء في إسلام أباد، فقد تنعكس مشاعره فوراً ليصبح معادياً لباكستان، وهو موقف تعززه مجموعة الطاجيك التي تتمتع اليوم بعلاقات مميزة مع وكالة الاستخبارات الأميركية. (أنا شخصياً معجب بمجموعة الطاجيك، لذا أتفهم جيداً ما يدفع الضباط إلى إمضاء وقت أطول مع عناصرهم بدل محاولة التواصل مع جماعة البشتون الأصعب والأكثر انغلاقاً).

غير أن تنامي شكاوى وكالة الاستخبارات المركزية قد يؤدي أيضاً إلى نقطة مفصلية في واشنطن، حيث بدأ اليساريون يتحدون مع اليمينيين الواقعيين لدعم الحس القومي الذي تتحلى به جماعة البشتون المعروفة بتطرفها الإسلامي. لكن هذا الأمر لم يتبلور بعد على نطاق واسع (ويعود ذلك عموماً إلى أن عناصر البشتون الأفغان لم ينسوا بعد الإزعاج الذي سببته "طالبان" في المرة الأولى التي تعاملوا فيها معها).

في حال حصل الجيش الأميركي على الموارد المناسبة، فيجب أن ينجح في منع "طالبان" من ترهيب أهم المناطق المستقرة في منطقة سيطرة البشتون. (وعلى عكس ما تشير إليه تقارير صحفية كثيرة، ليس الوضع متأزماً في شمال أفغانستان حيث تقيم جماعات البشتون بأعدادٍ صغيرة نسبياً). بالتالي، تكمن المشكلة الأساسية في أفغانستان وباكستان في حجم الموارد والوقت.

هل نحن مستعدون للبقاء حتى عام 2014 على الأقل، وهو تاريخ منطقي لبدء الانسحاب الأميركي من البلاد؟ وهل ننوي إنفاق 100 مليار دولار سنوياً لضمان عدم العودة إلى المراوحة التي طبعت الوضع في أفغانستان وباكستان قبل أحداث 11 سبتمبر؟ أم أننا ننوي، أخيراً، تأدية دور الحاكم المحلي الذي يوزع العدالة على جميع الفئات ويواجه المقاتلين الاستغلاليين في البلاد؟ لقد ارتكب وزير الدفاع الأميركي رونالد رامسفيلد وجنرالاته خطأً فادحاً لم نتعافَ منه بعد: هم لم يعالجوا قط الوضع المتأزم الذي يبغضه الجميع. بل كانوا منشغلين بالتعاطي مع المقاتلين وتجاهلوا حالة الشعب. كما حصل في العراق، كل ما أرادوا فعله هو مغادرة البلاد.

يجب ألا نخدع أنفسنا: في حال سحبنا القوات الأميركية من أرض المعركة، فستتبخر قدرتنا على شن حرب ضد القوى التابعة لـ"القاعدة" في أفغانستان. سيشكل أي انسحاب أميركي اضطراري انتصاراً صادماً بالنسبة إلى "طالبان" وكل من كان يدعمها في باكستان.

لكن لن نتمكن من تجاهل الحرب المدنية الأفغانية التالية، بل سنضطر إلى الانحياز إلى أحد الأطراف، الأمر الذي سيُدخلنا في صراع مسلح ضد إسلام أباد. على الأرجح، لن يهدأ الحماس الإيديولوجي الذي يطبع حركة "طالبان" بعد مغادرتنا على جانبي خط دوراند (لا يمكن أن يفكروا بمنطق: "لقد انتصرنا، لذا سنُحسن التصرف من الآن فصاعداً... انتهت القاعدة والحرب المقدسة بالنسبة إلينا!"). بل سيتواصل الاندماج بين "طالبان" و"القاعدة"، ويشهد هذا الارتباط تطوراً ملحوظاً منذ اليوم (أصبحت العلاقة الآن متداخلة أكثر مما كانت عليه في 11 سبتمبر 2001). تشكل باكستان اليوم مصدر إزعاج كبير، لكن قد يسوء الوضع أكثر بعد. قد يبدو السيناريو المحتمل حصوله مبهماً جداً بالنسبة إلى الكثير من اليساريين واليمينيين "الواقعيين" (وفقاً للمقياس الأميركي، وقعت أحداث 11 سبتمبر منذ فترة طويلة). لكن بالنسبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية، لاتزال تلك الأحداث في صُلب عملها كونها تقف في الواجهة لمحاربة التطرف الإسلامي. وبالتالي، يوجد أمل بتحقيق بعض النتائج. على الرغم من البغض الذي تشعر به وكالة الاستخبارات الآن تجاه الباكستانيين، فإننا مازلنا على ارتباط وثيق بهم، ويُعتبر هذا الارتباط الشائب بين الطرفين أفضل بكثير من وقوع طلاق مرير بينهما.

Reuel Marc Gerecht