صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الحرب والسلام

  • 22-06-2009

كثر الكلام أخيرا عن السلام، واتُّهم الإسلام ظلما أنه دين الحرب والجهاد والقتال ورفض الآخر بل الإرهاب، وأُسئ تفسير الآيات خارج أسباب نزولها وناسخها ومنسوخها مثل «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»، وفي الناس «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»... «مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، فما وضع الحرب والسلام في القرآن الكريم؟

فقد ورد لفظ «حرب» في القرآن ست مرات فقط أي أنه موضوع عابر وليس موضوعا رئيسيا محوريا كما تشيع بعض الدراسات الاستشراقية، ومعظم المعاني محاربة الله ورسوله وليس محاربة الناس أو الشعوب والأقوام، أي محاربة العقيدة ووحدة الأمة «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ»، ومن جوانب محاربة الله والرسول السعي في الأرض فسادا «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا». والحرب مؤقتة يتلوها السلم «فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا»، ولا توجد إلا آية واحدة تدعو إلى الحرب «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» ضد الذين يخرقون اتفاق السلام وميثاق الأمن.

ومن نفس الاشتقاق أتى لفظ «محراب» مفردا و«محاريب» جمعا، المحراب هو المكان المقدس، المعبد للصلاة والتعبد. فقد اعتزلت مريم في المحراب «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا». وقد بشر الله زكريا بالمولود الجديد وهو في المحراب «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ»، ولما خرج زكريا من المحراب لرؤية قومه أوحى الله إليهم بأن يسبحوه في الصباح وفي المساء «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا»، لا يجوز لأحد أن يتسور المحراب وينتهك حرمته «هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ» حتى لو كانا خصيمين يحتكمان لداود. وقد صنع لسليمان المحاريب والتماثيل «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ». فالمحراب هدوء وسلام وعبادة وتحنث كالحرب من أجل السلام.

أما لفظ «السلام» فهو أكثر حضورا بمشتقات عديدة: «السلم» أي السلام بين الناس والأقوام وهو المعنى الشائع. ومنه اشتق لفظ «الإسلام» اسما للدين، ولفظ «سلام» تحية للمسلمين. فقد ورد لفظ «السلم» بفتح السين ثماني مرات بمعنى السلام، سبع منها مرة واحدة دعوة إلى السلم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً». فالدخول في السلام أمر مطلق بصرف النظر عن شروطه وظروفه، والدعوة إلى السلم تكون عن قوة وليس عن ضعف، عن استعلاء وليس عن خضوع، يد عليا وليست يد سفلى. وست أخرى دعوة إلى السلم مشروطة بقبول الطرف الآخر «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ»، «فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ». وتتكرر نفس الشروط إذا توقف الطرف الآخر عن الحرب وأبدى استعدادا للسلم «فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا». فإن لم يتوقف الطرف الآخر عن الحرب فلا توقف من الطرف الأول «فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ». فالإسلام مبادرة من الآخر وليس من الذات. إذا بادر الآخر بالسلام وتوقف عن سوء الأعمال «فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ». وهو سلام مع الله قبل أن يكون سلاما مع الناس «وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ». ولا يستوي المشاكس مع المسالم «رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ». فلا يوجد سلام إلا بين طرفين يريد كل منهما السلام، ولن يتحقق السلام بين طرفين: الأول لا يريد السلام بينما الثاني يريد السلام، وهو نفس الموقف الحالي بين الإسرائيليين الذين لا يريدون السلام بل الأرض والاستيطان وتهويد القدس، والفلسطينيين الذين يريدون السلام.

أما لفظ «الإسلام» الذي اشتق من نفس اللفظ الذي يعني السلام فإنه ورد حوالي خمسين مرة ويعني السلام مع النفس ومع الله ومع الآخرين ومع العالم. وبهذا المعنى الدين عندالله الإسلام آخر الديانات «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ»، «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ»، ولفظ «السلام» بمعنى التحية ورد من نفس الاشتقاق أي أن تحية الإسلام هي السلام وليس الحرب. ومن ألقى السلام هو المؤمن وليس بالضرورة المسلم «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا». هي أيضا تحية الأنبياء السابقين جميعا. وهي تحية أهل الجنة. فالإسلام إذن دين السلام وليس كما يشاع دين الحرب، والجهاد إنما هو فقط للدفاع عن النفس في حالة العدوان عليها، فالسلام هو القاعدة والحرب هو الاستثناء.

* كاتب ومفكر مصري

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء