صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

خصوصية الحالة الإيرانية!

  • 03-07-2009

أُعلنت نتائج الانتخابات الإيرانية بفوز الرئيس السابق أحمدي محمود نجاد بنسبة 62% وخسارة المرشح الثاني الأقوى حسين مير موسوي، الذي احتج أنصاره ونزلوا إلى الشوارع وعبّروا بالوسائل الممكنة والمتاحة عن حقهم في التعبير، موجهين طعوناً لها ومتهمين سلطة نجاد وأجهزته وإعلامه بتزويرها ونقلت أوساط المعارضة عن وجود زيادة في عدد الناخبين وصلت إلى ثلاثة ملايين صوت في 50 موقعاً انتخابياً في عدد من المحافظات. وكان مجلس تشخيص مصلحة النظام قد قرر، كما أن مرشد الجمهورية الإسلامية، السيد علي خامنئي حدد مدة لسماع الاعتراضات والطعون، رغم أنه أعلن تأييده لنجاد، لكنه أبقى الباب مفتوحاً من الناحية النظرية على أقل تقدير لسماع الشكاوى، وعاد واعتبر الانتخابات شرعية ونزيهة ولم يحصل فيها شيء كبير ما يعكّر صفوها أو يدعوها لإلغاء نتائجها.

وانقسم الشارع الإيراني بين مؤيد للنظام لاسيما اتجاهه المحافظ والمتشدد وبالطبع لسياساته الداخلية ودوره الإقليمي وملفه النووي، وبين اتجاه إصلاحي، يريد انفتاحاً وانفراجاً في الحياة السياسية ومزيداً من الحريات والحقوق، ناهيكم عن مرونة وحسن تعامل في إطار العلاقات الدولية، بما فيها بعض الملفات الساخنة عراقياً وعربياً، ورغم أن كلا الفريقين يلعب في ملعب الجمهورية الإسلامية ويضع مظلة خمينية فوق رأسه، فإن التباعد والافتراق كان حاداً بين الاتجاهين والكتلتين، وفي حين تستمر التظاهرات والاحتجاجات، تشدد السلطات من قبضتها الحديدية رغم سقوط عدد من القتلى والجرحى.

الانقسام انتقل إلى الوضع الدولي، لاسيما هناك أكثر من خارطة طريق، فبعض العرب كان متحمساً لموسوي ويعتبر ما حصل انتفاضة لا بدّ أن تنتصر ولا بدّ من إعادة الانتخابات، وكأن ذلك من المسلمات، والبعض الآخر انحاز كلياً إلى إيران نجاد بحجة السيادة والأمن الإقليمي ومنع الاختراق، الأميركي والغربي، إلى غير ذلك من القضايا الكبيرة، التي ترتبط بقضايا أكبر من جانبنا فيما يتعلق بالأمن القومي العربي والصراع العربي-الإسرائيلي والأوضاع الجيوستراتيجية في المنطقة، بما فيها النفط. وبغض النظر عن المستبشرين أو القنوطين، والمتفائلين والمتشائمين، فإن الأمر ينبغي النظر إليه من زوايا وخرائط مختلفة ومتعددة، منها مصلحة الشعب الإيراني، وقضية الديمقراطية وحق اختيار الحكام واستبدالهم واحترام حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى ماذا لو انكفأت إيران إلى الداخل؟ هل سيكون ذلك لمصلحة العرب أم أن ممانعتها يمكن أن تشكل مشاغلة للولايات المتحدة، وبالتالي لإسرائيل لمنع فرض مشروعها بالشروط التي تريدها، طالما يغيب لاعبون أساسيون إقليميون؟!. وهنا لا بدّ من وضع خارطة لكل طريق وليس خارطة واحدة لكل الطرق، فانتصار الديمقراطية في إيران سيعني انتصاراً وتشجيعاً للديمقراطية في الوطن العربي، وفشلها سيؤدي إلى زيادة قبضة الأنظمة على شعوبها، ولكن إذا كان انكفاء إيران لمصلحة تنمية بلادها شيء، وأما انكفاؤها عن تأييد ومساندة حركات المقاومة فسيعني شيئاً آخر، خصوصاً إذا كان الانكفاء شرطاً خارجياً مفروضاً.

وانكفاء إيران إلى الداخل قد يكون لمصلحة العراق واستقراره وأمنه، ولكن إذا كان نكوصاً عن دور المشاغل لواشطن وتواطؤا معها، فقد يلحق ضرراً بالعراق رغم أنه من جهة أخرى يستجيب لمصالح شعبها بالامتناع عن التدخل بالشؤون الداخلية العراقية، لكنه سيضعف دور القوى الممانعة، إلاّ إذا كان انكفاءً دون تواطؤ، بحيث يتقلص النفوذ الإيراني في العراق ويتوجه النضال بشكل أكبر لإجلاء المحتلين الأميركيين. ومثل هذا الانكفاء سيكون مفيداً خليجياً: سعودياً وكويتياً وبحرينياً وإماراتياً، حيث ترغب إيران في أن تكون ذراعها طويلة، وهناك من يعتبر أن ذراعها امتدت بعد أفغانستان والعراق إلى باكستان ومصر والمغرب واليمن، لكنه من جهة أخرى قد يكون مضرّاً لبنانياً وفلسطينياً وسورياً، لأن حليفاً على المستوى الدولي سيغيب عن الملعب، الأمر قد يضعف قوى المقاومة، ضد إسرائيل حليفة واشنطن.

علينا إذن أن نتعرف على خصوصية الحالة الإيرانية، فإيران فيها نظام شمولي، ولكن بتعددية مقننة، وضمنها انتخابات في إطار القوى الإسلامية، وليس خارجها، كما أن تداولية السلطة مسموح بها داخل النظام وليس خارجه، والنظام الشمولي بشكل عام، لاسيما الذي عرفته الأنظمة الاشتراكية أو الفاشية أو أنظمة «التحرر الوطني» أقرب إلى العلمانية، في حين أن النظام الشمولي في إيران ديني ومذهبي، وذلك يمثل شكلاً جديداً من أشكال النظام الشمولي.

وعادة ما تكون الأنظمة الشمولية خاملة ولا يوجد فيها حراك أو دينامية وتداولية سلطة، لكن إيران تداول السلطة فيها 4 رؤساء خلال 30 عاماً، رغم وجود مرشد أعلى ومجلس تشخيص مصلحة النظام (فوق الانتخابات وتداول السلطة)، ومع القبضة الحديدية للنظام الشمولي، إلاّ أن هناك مجتمعاً مدنياً، حتى إن كان إرهاصات، مع وجود شيء من حرية التعبير، مثّل اختراقات معينة استطاع أن يحققها ضمن إطار النظام الإسلامي.

بعيداً عن مشاعر الفرح أو الإحباط، ما يهمنا كعرب وجزء من نضال المنطقة أن يحقق الشعب الإيراني طموحه، وأن تتقلص قبضة النظام الثيوقراطي، وتتوسع دائرة الحريات والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولا يبرر التجاوز عليها أي حجج سواءً كانت السيادة أو الملف النووي أو خطط تنمية مستقبلية أو غيرها، إذ إن الإنسان هو الأصل، ولا وجود لكيان وطني من دون مواطنين أحرار لهم الحق في اختيار مصيرهم. كما لا يجوز بحجة الإصلاح والديمقراطية، فتح الأبواب للتسرب وفرض حلول بالضد من مصلحة الشعب الإيراني ومستقبله، أو استغلال هذه القضية التي هي «كلمات حق يُراد بها باطل»، فالديمقراطية لا يمكنها أن تكون في تعارض مع الوطنية والسيادة والاستقلال، ولا يمكن تحت حجة الإصلاح والديمقراطية فرض الاستتباع، مثلما لا يمكن بحجة الوطنية، التجاوز على حق الشعب في اختيار الحاكم واستبداله، وبالتالي تقليص أو تهميش الخيار الإصلاحي الديمقراطي، مثلما لا يمكن بحجة السيادة فرض نمط حكم بالضد من الشعب وحرياته الأساسية، ولعل هذه معادلات دقيقة ينبغي حسابها. علينا أن نفهم خصوصية الحالة الإيرانية، ونتعاطى معها انطلاقاً من مصالحنا العليا أولاً ومن المصالح المشتركة ثانياً، إضافة الى البعد الإنساني ثالثاً، لاسيما أن توجه العالم وإيقاعه نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، أصبح مسألة كونية، ولا يمكن لأي مجتمع أن يعزل نفسه عنها.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى نتائج الانتخابات دون إرادوية أو إسقاط لرغبات مكبوتة بالسلب أو الإيجاب، وهو ما تفعله بعض القوى الدولية والإقليمية، بل بالاعتماد على ضوابط ومعايير تقوم على أساس الشفافية والمساءلة، فضلاً عن حكم القانون ومصلحة وإرادة الأغلبية في مجتمع يعيش شكلاً من أشكال التعددية والديمقراطية حتى إن كانت مقننة، ولكنها ستبقى بحاجة إلى انفتاح وتغيير بما يستجيب ويستوعب خصوصية الحالة الإيرانية!

* باحث ومفكر عربي

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء