صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عيسى قارف في مهبّ الجسم... مهبّ الروح قصائد تسعى إلى استكمال ظلالها

  • 02-03-2010 | 00:00

لا يزال الشعر العربي المعاصر يبحث عن ذاته بين القصيدة الكلاسيكيّة وقصيدة التفعيلة والقصيدة التي تبرّأت من الموسيقى وطردتها من عروقها... والأزمة الحقيقية هي أزمة شعراء وليست أزمة أشكال شعريّة، فالشاعر القادر على القصيدة يفتح أشرعته واثقة في أيّ اتجاه، ويستطيع أن يكون ذا جملة شعريّة خاصّة، ويشهد واقعنا الشعريّ اليوم زحمة أقلام لا تُعدّ، في حين أن التميّز قليل جدًّا، وقليلون هم الشعراء الذين وصلوا إلى قصيدة وفيّة لظلالهم من دون أن يكونوا أصداء لشعراء آخرين.

{مهبّ الجسم... مهبّ الروح} جديد شعريّ للشاعر الجزائري عيسى قارف الحائز جائزة الشاعرة سعاد الصباح. ويبدو قارف من قصائد الديوان الأولى معلّقًا بحبال المعلّقات، وكأنّه يحاول لقاء حميمًا على شرفة الذاكرة مع امرئ القيس وعنترة وطرفة بن العبد...

في قصيدة {معلّقات عائمة}، وهي فاتحة الديوان، يخاطب الشاعر معلّقة مَن يومُه خمر وغَدُه أمر: {يا {قفا نبكِ}... يا خريف النساء / يا {قفا نبكِ} كم وقفنا قرونًا / نجمع الشوك من رهيف الماءِ / يا {قفا نبكِ} يا عمى الأشياء}. هكذا مدَّ قارف قصيدة امرئ القيس على بساط أصفر يعلن نهاية النساء، وتوّجها بالشوك، ونَثَر عليها رماد العمى. وربّما رأى بالوقوف على الأطلال وقوف الزمن العربيّ، كما توحي قصيدة {معلّقة (2)} التي يثقلها شلل الزمن: {زمني واقف على كلّ حالِ / ... سؤالي على شفاه المحالِ: / ما بكاء الكبير بالأطلالِ؟!}. ومن طلل الملك الضليل ينتقل الشاعر إلى طلل الفارس العبسيّ، المعلَّق بين الحقيقة والوهم، ويسأل: {...أم هل عرفتَ الريح بعد توهُّمي}، وكأنّه يردّ على قبلة عنترة: {فوددت تقبيل السيوف لأنها/ لمعتْ كبارق ثغرك المبتسمِ} بقوله: {أم هل عرفت صاحبها / وسرير قبلتها الـ... تأرجح في فمي}. ولا شكّ في أن القبلة العنتريّة أكثر وضوحًا من قبلة قارف الذي ظهر في قصائد الديوان الأولى كمن يطرق باب القصيدة ولا يدخل، ويوهم بأنّه يعارض بعض قصائد شعراء المعلّقات، لا سيّما ميميّة عنترة وداليّة طرفة، لكنّه في الواقع يسترجع زمن البدايات ـ إذا جاز القول ـ في الشعر العربي في غياب الإضافة المطلوبة من الشاعر. وفي قصيدة {معلّقة أخيرة} يتصرّف قارف واشمًا زمن الجاهليّة بالدّينيّ: {لرجْفِكَ قرآنٌ {ببرقة تهمِد} / لمائِكَ حنّاءُ الصلاة على اليدِ}. والله أعلم من يخاطب الشاعر الواقف في مهبّ الجسم والروح، والله أعلم أيضًا ما معنى القرآن في برقة تهمد. يشار إلى أن الشاعر جديد في أكثر من مكان: {لمائِك / أسراب الكلام إذا غوت / تظلُّ وتهتدي}، فكم هي جميلة أسراب الكلام تعود الى هداها بعد ضلال، غير أنّ {برقة تهمد} لا تحتمل ببعدها الرمزيّ أن تكون ذات دلالة دينيّة، إلا إذا كان الشاعر يجد تعارضًا بين الإسلام والوقوف على الأطلال، ويريد استبدال هذا الوقوف بالوقوف تسبيحًا: {سيبدي لك التسبيح حين تنهّدي / نهاية ما يرتاب منه توحُّدي}. ويستكمل الشاعر رحلته مع الدينيّ في القصيدة التي منحت الديوان عنوانها {مهبّ الجسم... مهبّ الرّوح} ويخاطب الله: {يا الله ... هذي إلى ما تشتهي طُرُقي / وذي سطوري إلى المعراج أو كُتُبي / إذا رفعتُ بأرض الحقّ خيمتك / أدركت أنّ خيام الناس من كذِبِ}. فبكلّ وضوح يعلن قارف حبره معراجه، ويلجأ إلى خيمة الله إذ لا عاصفة تنال من أوتادها العميقة في الصّدق، في حين أنّ خيام الناس تنتهي أطلالاً... أمّا في قصيدة {اليقين احتمال} فيلوذ الشاعر بالمسيح قائلاً بلسانه: {أغفروا الشكّ فاليقين احتمالٌ / والحكايات تَقْبَلُ التأويلا} ولعلّ قارف بكلامه هذا يطلق ضباب الشكّ كثيفًا في حقول معرفته، ويعود ليلتقي مع طرفة بن العبد، بعدما أحلّ القرآن محلّ {خَوْلَتِه} و}حنّاء الصلاة} محلّ وشم اليد، وينشدان معًا: {ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاً / ويأتيك بالأخبار ما لم تزوِّد}.

ومن قصيدة إلى أخرى يواصل شاعر هبوب الجسم والروح الرّبط بين الأمس العربي والحاضر، كما في قصيدة {ديار سلمى} التي تحترف الحزن من بدايتها: {لكأنّ قلبي / في غباء الحزن / رأس نعامة}... وحزن الشاعر يعود إلى الخيل العربيّة الفاقدة مزاجها لأنّ العرب بنوا خيامهم خارج الروح، ويطلب قارف من شبهه اليتيم التوقّف عن ركوب الخيل إذ إنّ الوصول إلى ديار سلمى محال، ومن الأجدى استبدال الخيل بالناي: {خيلك لا تبوح ولا تجيء / ولا تروح / فهل نشقّ رماحنا / أو نستوي نايًا خفيفًا / كي تهيج ديار سلمى؟!}. ويرثي زمن العسل متسائلاً: {هل قتلتُ النحلَ؟! / هل أحرقتُ ـ عن قصد ـ خيام الورد}. ويلاحَظ اقتراب قارف من طقس محمود درويش: {فالخريف خريفي / أرى عسلاً / في المكان المجازيّ / أو كسلاً في مساء القرى}... إلا أنّه ذو قدرة على بناء الجملة اللافتة والصورة الجديدة، فها هو يقول: {... تدسُّ حمامة في كفِّي اليسرى / وأخرى / في الكلام}، و}تجدل بوّابة / من دقائق ميسورة الحال / ثمّ تفضّ بكارة قبرك}...، و}ثمّة قافلة حبر / وبكاء صبيّ فوق بياض الفكرة}...

وقارف لا يخذله الاختصار حين يلجأ إلى الاقتصاد اللغويّ، ويبدو نصُّه أكثر نبضًا، وقصيدة {الهوى} خير دليل: {الهوى غيمتان وجرحُ / الهوى أن تنام قليلاً وتصحو / الهوى أن تخطّ كثيرًا وتمحو}.

وإذا كان ابن الرومي وصف {وحيد} المغنّية، فإنّ قارف عارضه في دالية هي أيضًا على البحر الخفيف ومضمومة الرويّ، غير أنّها في وصف راقصة عارية: {تتبدّى وتختفي كالمعاني / تتراخى وتنتهي وتعيدُ /... وتراني كأنّها لا تراني / وأراها، وكلّ عينٍ بريدُ}... ويبدو الشاعر موفّقًا في مهبّ الجسم مثلما هو موفّق في صياغة البيت الكلاسيكيّ على تفاوت في أبيات القصيدة الواحدة. ولافتٌ أنّ مجاز قارف في القصيدة العموديّة يختلف عن مجازه في غيرها، فهو على قرب ووضوح، ولا يدع القارئ يسترسل في تأويل المعاني وظلالها. وليت قارف يُفلت قصيدته شيئًا فشيئًا ويحرّرها من الأسماء العربيّة التي يستثمرها رموزًا ذات طاقات إيحائيّة، لا سيّما في النصوص التي لا تحتاج مثل هذه الرموز، فقصيدة {بَلج} مثلاً لا تستدعي حضور {المهلهل} بين رجل وامرأة يلتقيان في القرن الحادي والعشرين على شاطئ يصفه القارف: {... لوحة لمّا تجفّ كأنّ الله للتوّ انتهى / من رسمها / ورمى بقايا اللون في الغيب المُطِلّ من النساء}...

يظهر الشاعر قارف في مهبّ جسمه وروحه شاعرًا يَنْشُد قافيته الخاصّة سعيًا إلى التفرّد والتميُّز. وممّا لا شكّ فيه أنّه يحسن رمي الشباك عميقًا في مياه القصيدة.