صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3961

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

موسيقى الدانوب الأزرق

  • 19-08-2009

صادف عودتي من المصح المرور بمدينة فيينا الجميلة، التي كنت قد تعرفت عليها لأول مرّة صيف عام 1972، عندما جئتها من بودابست التي مكثت فيها عدة أيام وصولاً من بوخارست متوجهاً إلى براغ. قررت حينها زيارة النمسا في طريق العودة. في القطار تعرفت على شخص من بيرو يدعى خورخي ونزلنا في بنسيون (فندق صغير) مخصص لسكن الطلاب، ودعوته حينها بكل بساطة لزيارة براغ حيث كانت الحياة أقل عُقداً والشباب أكثر ميلاً إلى الانفتاح، وهكذا انعقدت بيني وبينه صداقة، وبقيت أتراسل مع خورخي الذي فقدت عنوانه عند عودتي إلى العراق بعد إنهاء دراستي عام 1977.

خورخي هو الذي حرّك فيّ بعض الاهتمام بالموسيقى لاسيما الكلاسيكية، فقد شعرت معه بفقر ثقافتي الفنية، أتذكّر وأنا أرافقه أننا بحثنا عن كونسيرت في فيينا، إلى أن اهتدينا في اللحظة الأخيرة قبل العرض إلى مسرح، قطعنا التذاكر سريعاً ودخلنا دون أن نعرف البرنامج، أو نقرأ ما كان من إعلان عند صندوق التذاكر، لأن المهم بالنسبة لنا هو حضور الكونسيرت. لا أقول إنني أصبحت أتردد على المسارح والكونسيرتات، لكنني حضرت العديد منها في براغ وموسكو ولندن والقاهرة وبيروت، ولكن لكونسيرتات فيينا نكهة أخرى.

في كل زيارة إلى فيينا أحاول أن أجد الوقت للذهاب إلى أحد الكونسيرتات التي تكاد تكون أحد شواهد فيينا، مأخوذاً بأغنية أسمهان «ليالي الأنس في فيينا»، حيث عاش كبار الموسيقيين مثل موزارت وبتهوفن وجوزيف هايدن وآخرين. ودار الأوبرا لوحدها تمثل صرحاً معمارياً وأثرياً يدلّ على مدنية وحضارة المدينة وتاريخها العريق وانشغالها بالفن والموسيقى على نحو متميز جداً. في زيارتي الأخيرة وأنا أحضر في «الامبريال كلاسيك كونسيرت» استذكرت الصديق الشاعر صلاح نيازي الذي حدثني عن اهتمامات نجيب المانع بالموسيقى الكلاسيكية، الأمر الذي حفزني على قراءة كتاب المانع «ذكريات عمر أكلته الحروف» والذي صدر بعد وفاته، شعرت وأنا أتوغل في قراءة الكتاب أنني أمام قصيدة طويلة أو نص أقرب إلى قصيدة النثر، جميل وآسر، بل هو أقرب إلى سمفونية بأصواتها المتناغمة المتوائمة الصاعدة والنازلة. الفرقة الكلاسيكية عزفت سمفونيات لجوهان شتراوس وأماديوس موزارت وبتهوفن وجوزيف هايدن وفرانس شوبرت وآخرين، إضافة إلى باليه وأوبرا ورقصة البولكا.

ليس البشر هم من يتأثر بالموسيقى وحدهم فالحوت الأزرق له حسٌ إيقاعي، وهو يطلق ترنيمة موسيقية غنائية متتالية يمكن أن تتواصل عدّة أيام، في كل 128 ثانية تماماً أو في كل 258 دقيقة عندما يتخذ وضع الراحة، وهو ما ينقله الشاعر أدونيس عن كريستوفر كلارك في كتاب شيق وعميق، قرأته عند صدوره العام 2002، وعدت إليه قبل بضعة أشهر وهو يحمل عنوان «موسيقى الحوت الأزرق: الهوية، الكتابة، العنف».

وتشير المعلومات المقتبسة إلى أن النغم الثابت لهذه الحيتان الزرق يتأسس على خمس علامات موسيقية، وهي أقرب إلى النوتات كما يطلق عليها الموسيقيون، تصدر عنه ولكن لا تسمعها أذن الانسان، إلاّ بوتيرة منخفضة، وبالمناسبة فالحوت الأزرق هو من أكبر أنواع الحيتان في العالم، حيث تتيح لها هذه الموسيقى التعرف على ما يحيط بها على مسافة قطرها عشرة كيلومترات. لا أعرف لماذا استذكرت موسيقى الحوت الأزرق عندما كنت أستمع إلى موسيقى الدانوب الأزرق فقد يكون اسم سمفونية الدانوب الأزرق قد تقاربت لفظياً مع موسيقى الحوت الأزرق، ربما هي إشارات غامضة، مثل تلك التي جاءتني من الموسيقى والحرف في آن، استماعاً أو قراءة أو كليهما، لهذا العالم الغامض، الشفاف، المجهول بالنسبة لي، وسرعان ما تحرك خيالي وذاكرتي وبتطلع بهيج واستشراق مستقبلي، استعدت ما كتبه توفيق الحكيم عن السمفونية التاسعة لبتهوفن، حيث كان يملؤني شعور غامر حتى قبل أن أستمع إليها، وهو ما بدأته في الستينيات وازداد شغفي فيه في السبعينيات رغم شحة ثقافتي الموسيقية، حين استمعت إلى الموسيقار التشيكي دفورجاك، لكن ما جعلني أشعر بالتقصير والنقص في هذا المجال هو نجيب المانع، حين يصف موسيقى شوبان، الذي كان يردد «القلب في باريس والعقل في وارشو» لاسيما في ليلياته حيث كان يعالج ببلاغة بيانوية هائلة الدقة والبراعة التقنية مشاعر الحب، ففيها لهفة وحنين وحنان ووجد نابض وأنفاس مشتعلة، فقد ظل هذا الفتى دون الأربعين، الذي غادر عالمنا سريعاً (مات مسلولاً) مثل ومض، مفتوناً بالحب والوطنية البولونية، اللذين أعطاهما كل إبداعه، بلوعته وبكائه وعذابه ورومانسيته وبليغ جملته الموسيقية المكثف، ويقول عنه المانع «في موسيقاه متانة التركيب من غير تخشّب كما أن اشتعاله مضيء لا محرق»، ولعل هذا الوصف يبقي الجذوة الشوبانية تومض في النفس، لكأنك تستمع إليها في كل مرة وكأنها لأول مرة. وإذا كان شوبان قد رحل سريعاً فقد رحل موزارت سريعاً هو الآخر، (لم يتجاوز عمره 35 عاماً) وقد تمكن مخرج فيلم أماديوس أن يعطي نكهة خاصة لحياة موزارت، وقد تسنى لي مشاهدته قبل نحو عقدين من الزمان، وموزارت وهو المولود في سالبورغ شهد مجده في فيينا، مثلما ولد بتهوفن في بون وجاء إلى فيينا ليتتلمذ على يد موزارت (طلب منه إعطاءه دروساً)، ولكن بعد 10 سنوات أصبح هو الآخر نجماً ساطعاً، وهو الآخر مات وهو في عمر الشباب، وكان لفشله في الحب أحد الأسباب المضاعفة لقبول التحدي واختيار طريق التميّز والعبقرية، وكذلك جوزيف هايدن لم يكن «فيناوياً»، بل كان من سكان جنوب فيينا، واشتهر في فيينا، التي قدم فيها أعمالاً خالدة.

الأعمال الخالدة تتجدد ولا تنتهي أو يبطل مفعولها، فهي تولد من جديد، لأنها تظل تعطي إشعاعات مستمرة لكل العصور والأزمان، سواءً كانت قصائد شعر، أو رواية أو لوحة تشكيلية أو سمفونية أو مقطوعة موسيقية أو فيلم أو منحوتة أو نص فكري، لكن هذه الأعمال لا تُقرأ مرة واحدة، إنها بحاجة إلى إعادة قراءة وتأمل ودراسة، وبذلك تتحقق متعة الاستمتاع بالجمال ومتعة الاكتشاف والتعرّف على التفاصيل المرئية واللامرئية، وأعمال الموسيقيين مثل موزارت وبتهوفن وشتراوس وهايدن وباخ وشوبان مثل أعمال سلفادور دالي وبيكاسو وجواد سليم وفايق حسن ومثل كتابات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين والعقاد وعلي الوردي وتولستوي ودستوفسكي وشعر الجواهري ومحمود درويش وأدونيس ومظفر النواب ومسرحيين مثل يوسف وهبي ويوسف العاني وسينمائيين مثل فلييني وبازوليني ويوسف شاهين وآخرين. أتذكر أن الشاعر بلند الحيدري أخذني من يدي في ديوان الكوفة كاليري في لندن، في مطلع التسعينيات حين كنا نحضر حفل توقيع كتاب أمين معلوف، وقال لي قبل عشر سنوات جاء معلوف ليتعرّف عليّ، علينا أن نتعرف عليه، ونأخذ صورة تذكارية معه، لأن عمله سيكون خالداً ومتميزاً، وهو ما أبلغه لمعلوف الذي احمّر وجهه بتواضع وأدب جم.

استعدت ذلك وأنا أدقق فيما كتب المانع عن المتنبي وشكسبير وشوبان وبيتهوفن الذي رسمه توفيق الحكيم إنساناً بحجم البحر، حيث تصدر من بين يديه أصوات يتعرف بواسطتها البشر على أنفسهم، ولن تتحقق مثل هذه الرؤية بالاستماع أو القراءة لمرة واحدة، ففي كل قراءة وفي كل قصيدة وفي كل نص ولوحة تصدر حركة تغلغل فيك مثل شهاب، ولعل ذلك إحدى عبقريات شتراوس في الدانوب الأزرق! أو صوت الربيع أو سمفونية القدر (الخامسة) لبتهوفن أو سمفونيته التاسعة النشيد الناقص «الأمل». يظلّ نصير شمّة من بين من تعرفت عليهم من الموسيقيين الأكثر تميّزاً وإبداعاً، وفي كل لقاء معه كنت أراقب حركة أصابعه وصوته وإشاراته وابتسامته وطريقة اختيار مفرداته وهندامه، فأرى فيها مقطوعة موسيقية مكملة وكأنه حالة موسيقية، كل ما فيه تغضّن فيها حتى تماهى معها وأصبحت هي جزء منه، من قلقه وإبداعه وكينونته!

ولكل مبدع دانوبه الأزرق!!

* باحث ومفكر عربي

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء