صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3956

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سوسيولوجية المدينة وسايكولوجية الجماهير!!

  • 26-06-2009

وقفت حائراً حين كنت أراقب المجموعات البشرية الهائلة التي كانت تتوجه مشياً على الأقدام لمناسبة دينية يتم توظيفها سياسياً: وكنتُ أتساءل مع نفسي بعيداً عن الوازع الديني والروحاني الذي أعرفه جيداً: هل أن دورة جديدة من دورات عصر الجماهير قد بدأت، أم أن هذا العصر قد انتهى، حتى إن كان ما نلحظه ليس إلا تعبيراً مؤقتاً وطارئاً ومحكوماً بظرفه؟!

واستعدت، وأنا أقلب بعض الصفحات حواراً بين شارل ديغول وبعض المسؤولين الفرنسيين بُعيد تحرير فرنسا: القصة تبدأ قبل ثلاثة أسابيع من هزيمة النازية في فرنسا وسقوط حكومة فيشي الذي تعاون مع الألمان، حيث انعقدت احتفالات جماهيرية حاشدة في مدينة نانسي الفرنسية، وهي المدينة الأكبر في مقاطعة اللورين، التي استمر التنازع عليها وعلى الإلزاس بين فرنسا وألمانيا وشهد حروباً واستيلاءً وضمّاً ونفوذاً، حوالي قرنين من الزمان.

حضر الاحتفالات حينها نحو مليون ونصف المليون إنسان هتفوا بحياة الفهرور ووقفوا إلى جانب حكومة فيشي التي لقيت مقاومة متنوعة في فرنسا، شاركت فيها العديد من القوى السياسية: الشيوعية والاشتراكية والليبرالية، وبعد تداعيات في الجبهة العسكرية دخل الجنرال شارل ديغول ليقود فرنسا الحرة، وقرر أن يجري احتفالاً «بالنصر» في المدينة نفسها التي احتفلت قبل ثلاثة أسابيع بالنازية. تمنّع المسؤولون وأبدوا مخاوفهم من إشكالات قد تحصل، لا سيما أن نفوذ النازيين في مدينة نانسي قوياً، ولتوّها شهدت الاحتفالات المهيبة، لكن ديغول لأسباب سوسيولوجية المكان وسايكولوجية الجماهير أصرّ على تنظيم الاحتفال بالنصر في الموقع ذاته الذي احتفل فيه النازيون.

وتوافدت على المدينة كما حصل في المرة الأولى جماهير غفيرة وكتل بشرية مهتاجة، يومها ارتفعت الحناجر بالهتاف ضد النازية والنصر لفرنسا الحرة، وقد حضر الاحتفال أكثر من مليوني شخص، أي بما يزيد عن المرة الأولى، وعندما سُئل ديغول لاحقاً، كيف حصل الأمر؟ أجاب الجماهير هي..هي، فكما باركت لهتلر والنازية يوم كانت مهيمنة، تراها جاءت اليوم لتبارك القضاء عليها ولتحيي فرنسا الحرة!!

ولعل شيئاً من هذا قد ينطبق على ما نسميه طاعة أولي الأمر في الفقه الإسلامي، فأياً كان الحاكم أحياناً سيجد الجماهير تعظّم من شأنه وتتأثر به وتقلّد خطاه: حباً أو اعتياداً أو تملقاً أو خوفاً، لاسيما عندما تغيب الحريات وتنحسر سلطة القانون وتضعف الشفافية والمساءلة وتتعثر مبادئ المساواة والمواطنة.

استحضرت ذلك وأنا أستذكر قراءاتي عن عصر الجماهير في الثورة الصناعية والكتل البشرية الهائلة حيث المداخن والرفض وتحطيم المكائن والآلات، يوم ارتابت الجماهير من التطور التكنولوجي والعلمي الذي قد يفضي الى التخلي عن العمال والاستغناء عنهم، في حين كانت مطالبهم وحقوقهم تتلخص في يوم عمل لثماني ساعات وظروف عمل مناسبة وضمانات أولية، ولعل تطوراً كبيراً وهائلاً حصل في مفهوم الطبقة العاملة، لاسيما ما بعد العولمة وفي ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وطرأت عليها تغييرات جعلت احتساب المهندسين الجيولوجيين والنفطيين والعاملين في حقول التعدين والمشاريع البنائية الكبرى عليهم، ناهيكم عن بعض الامتيازات للأرستقراطية العمالية، التي استطاعت الرأسمالية أن توظفها، يضاف الى ذلك فئة المديرين وحزمة الخبراء والمستشارين، الأمر الذي أحدث مفارقة كبيرة بين ما ندعوه بالطبقة العاملة في السابق وبين واقعها الحالي، وهو ما كشفته على نحو ساطع الأزمة المالية والاقتصادية للرأسمالية العالمية أخيراً.

عندما حدثت الهجرة من الريف إلى المدينة في العراق، لاسيما إلى العاصمة بغداد في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، وسكن المهاجرون المحرومون في بيوت الصفيح، على هوامش العاصمة وشكّلوا مدناً عشوائية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى من نقل العادات والتقاليد الى قيم الريف والعشيرة، إلى طريقة العمران والحياة، رغم أن ثورة 14 تموز (يوليو) عام 1958 سهلت مهمة انخراط أعداد غير قليلة منهم لتنتقل من العمل الزراعي والعلاقة بالأرض إلى العمل في المدينة، فاندفعوا في إطار النقابات والجمعيات المهنية، وتحوّلوا تدريجياً إلى عمال مؤقتين أو دائمين، وعملت بعض نخبهم في الأحزاب والحركات السياسية، لاسيما في الحزب الشيوعي الذي استفاد من الكتل الجماهيرية وطاقاتها وقبضاتها في الصراع السياسي حول وجهة الثورة ومصيرها، في حين اعتمد خصوم التيارات الماركسية واليسارية، على الوسط التقليدي، العشائري والديني في الصراع السياسي ضد عبد الكريم قاسم وضد الحركة الشيوعية.

وعندما أرادت الثورة كسب هذه الفئة الواسعة إلى جانبها قدمت لها بعض المنجزات، منها بناء مدينة بملامح شبه عصرية في منظور تلك الأيام قياساً لبيوت الصفيح لتكون لصيقة ببغداد، وأطلق عليها اسم «مدينة الثورة»، وكانت المدينة منبعاً مهماً لدعم الثورة، وخرّجت أجيالاً من الأدباء والشعراء والفنانين.

وبعد العودة الثانية لنظام البعث في العام 1968، وضع في سلم أولوياته كسب هذه المدينة، وكانت الندوات الأولى التي عقدها فيها تحت عنوان «أنت تسأل والحزب يجيب» واستطاع الرئيس العراقي السابق صدام حسين الاستحواذ على كفاءات وطاقات مهمة منها، بأساليب مختلفة بالوعد والوعيد، وبالترغيب والترهيب، ولم يكن الأمر بعيداً عن تحقيق بعض المكاسب، حتى أصبح يوم زيارته للمدينة مناسبة للاحتفال حين شرّف فيه «القائد» المدينة التي أطلق عليها اسم «مدينة صدام» ولكن وضع المدينة تدهور تدريجياً لعدم وجود بُنية تحتية ومجالات للصرف الصحي للمياه، وكانت التبريرات آنذاك، وربما لايزال بعضها الى اليوم تقول: إنها تطفو على بحر من النفط، الأمر الذي لا يمكن معه إصلاح بنيتها التحتية بعد الاكتشافات المهمة هذه.

ودفعت مدينة الثورة، صدام لاحقاً، أثماناً باهظة لإثبات الولاء للنظام، لاسيما في الحرب العراقية-الايرانية، وانتشرت في شوارعها وأزقتها لافتات نعي للشهداء وللقتلى في الحرب، وهو في أحد معانيه دليل على الوفاء والولاء، ولصرف النظر عن المدينة وما تموج به من هواجس وتمردات وشعر.

لكن دوام الحال من المحال كما يقال، فالحصار أضعف قبضة السلطة على المدينة والجماهير والامتيازات ولّت الى غير رجعة، ومعها أرواح الكثيرين، حيث بدأت ملامح التمرد والرفض تتسع، لاسيما بعد مقتل السيد محمد صادق الصدر (والد السيد مقتدى) عام 1999 يوم كان عائداً من الصلاة في الكوفة، فحصلت احتجاجات وتمردات تم قمعها بسرعة وبشدة.

بعد الاحتلال، برز جيش المهدي وجماعة السيد مقتدى الصدر، الذي بادر الى تغيير اسم المدينة إلى «مدينة الصدر» وليس باستعادة اسمها الأصلي «مدينة الثورة» مثلما تم استعادة أسماء محافظات العراق، فبابل عادت لتسمّى الحلة والأنبار استعادت تسميتها إلى الرمادي وكركوك المتنازع عليها نسي الناس اسمها «التأميم» وهكذا. لعل لغة الحاكم هي هي دائماً، حين يحاول بسط نفوذه وسلطانه، والجماهير ظلّت هي هي أيضاً فمدينة الثورة- صدام- الصدر، تحكمت بها النخب الشيوعية البعثية الإسلامية، اضطرت إلى مجاراتها وكانت الجماهير تهتف وتنشد الشعر وتضحي وتقدم القرابين... لا أدري: ما الذي سيحصل لو انحسر التيار الديني- الإسلامي- والإسلاموي، فلمن ستمنح المدينة وجماهيرها ولاءها؟

لعل الأمر بحاجة إلى المزيد من التفكير والتفكّر ففي ذلك عبرة أولاً، وفيه دلالة ثانياً، وفيه مراجعة للتجربة ثالثاً، فالجماهير إذا لم تُترك لتقرر مستقبلها وخيارها بحرية، فإنها قد تتجه بما لا يُحمد عقباه، سواءً لمن يقودها أو يركب على أكتافها أو يستغل اسمها، بزعم الدفاع عن الكادحين أو العروبة أو الاسلام أو العشيرة، «بالعودة» إلى «نظام دعاوى العشائر» والتشجيع للحصول على ولائها بالدم أو بغيره قبل وبعد الاحتلال، وبدلاً من تمدين الريف وتقليص الفوارق بينه وبين المدينة، فقد تم ترييف حاضرة مثل بغداد ومدن أخرى، ودُفعت الجماهير في فورات غضب وعنف بعد معاناة نصف قرن من الزمان.

لقد أصغت الجماهير للنخب السياسية، لكن لم يصغ أحد إليها وإلى معاناتها واحتياجاتها الحياتية، فهل ستكون النخب قد تعلمت الدرس أم سيكون للمدينة وجماهيرها دروسها إذا ما قررت استعادة عصرها... حينها سيصغي الجميع إليها ولكن بعد فوات الأوان؟!

* باحث ومفكر عربي

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء