صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

السياسة الخارجية بين القوة والفكرة

  • 31-08-2008

كيف تضيع القوة؟ انظر للعرب بالطبع. فسوف تتعلم سائر الطرق والفنون المعروفة في التاريخ. وأنظر للروس أيضا.

كيف تضيع الفكرة؟ انظر للعرب بالطبع. فسوف تلهب عينيك بمشاهد لا حصر لها لاهدار وإخصاء وشي وسلق وتشويه أي فكرة وإصابتها بالعفن... وانظر للروس أيضا.

الروس... لديهم دروس أهم. فلم يشكل العرب قوة مهمة في السياسة الدولية منذ ثمانية قرون على الأقل. أما الروس فكانوا شكلوا امبراطورية واسعة الأرجاء بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر. وكانت هذه الامبراطورية في طريقها للتعفن. وسريعا ما أدت الثورة البلشفية إلى إنعاش هذه الامبراطورية. وحولت الحرب العالمية الثانية روسيا، ومن ثم الاتحاد السوفييتي، إلى أكبر قوة برية وصاروخية ونووية في العالم وثاني أهم قوة جوية وبحرية في العالم بعد أميركا. وإن أخذنا بالمعنى الأوسع للقوة فكان لدى الاتحاد السوفييتي السابق قوة اقتصادية وثقافية عملاقة حتى نحو منتصف السبعينيات.

رسميا ألغى الروس هذه القوة في ثوان معدودة أو بأوسع المعاني خلال ثلاثة أيام عام 1991 شهدت انقلابا فاشلا أعلن بعده رئيس جمهورية روسيا استقلال بلاده عن الاتحاد السوفييتي! وكان الهدف مجرد جعل رئيس الاتحاد السوفييتي من دون وظيفه فصار الاتحاد نفسه من دون قيمة... وتلاشى عمليا.

ولكن إضاعة القوة السوفييتية استغرق في الواقع سنوات طويلة. ولو ذهبنا مع المدرسة المثالية التي تتحدث عن «روح» أو «ماهية» الأشياء، لقلنا إن بذور الفناء كانت كامنة في بذرة الاتحاد السوفييتي نفسه. ولا أشارك هذه النظرة لأن الاتحاد السوفييتي كان له وجود حقيقي ووظيفة تاريخية وإلا لما انتصر أبدا في الحرب العالمية الثانية. وبدأت عملية إفقاد هذا الوجود المعنى والقيمة أو إضاعة واهدار هذه القوة مع اطلاق قوى الفساد في المجتمع السوفييتي من دون مقاومة تذكر. ولنتذكر أن الفساد هو حفار قبور الامبراطوريات والدول.

* ضياع الفكرة

وهنا يأتي مقام العلاقة بين ضياع القوة وضياع الفكر. وليس من الضروري أبدا أن تكون من أتباع المدرسة المثالية لكي تدرك عمق العلاقة بين البعدين، بل بين الجانبين، للحقيقة الواحدة وبالذت حقيقة القوة. القوة تتجمع حول معنى أو قيمة أو ببساطة فكرة. ولكي تكون القوة حقيقية يجب أن تكون الفكرة حقيقية أو أصيلة كذلك. وفقد الاتحاد السوفييتي قوته في الحقيقة يوم صارت فكرته زائفة بصورة متزايدة حتى صارت مجرد وعاء لعفن الفكرة السوفييتية.

وهذا هو بالتحديد ما لم تفهمه الصحافة ولم يعتبره كثيرا من الكتاب العرب الذين نفخت فيهم الحرب الروسية الأخيرة ضد جورجيا روح الأمل في انبعاث القوة الروسية وتحول روسيا إلى قطب جديد موازن للغرب وبالذات الولايات المتحدة.

فواقع الأمر أن الروس لم يستعيدوا قوتهم بل زادوا أنفسهم ضعفا لأن تصرفاتهم الأخيرة وسياساتهم في الداخل والخارج تبدو متخبطة وفاقدة للفكرة.

فمحاولة بوتين وميدفيديف إحياء قوة روسيا من الداخل تتم بالطريقة الزائفة نفسها التي أقام عليها العرب سياساتهم وتوجهاتهم الداخلية: أي الحصول على أقصى عائد من صادرات النفط. ولم ينجح العرب كثيرا في تحويل النفط إلى منظومة عقول ديناميكية وثابة ولا إلى منظومة صناعة ولا إلى كتلة اقتصادية صلبة. نجحوا فقط في بناء آلاف «المولات» والمحلات التي تحفل بالبضائع من كل حدب وصوب.

الروس في ظل يلتسين وبوتين يفعلون الشيء نفسه. يفرطون في استخراج وتصدير النفط. وحصلوا من هذه الصادرات بالفعل على نحو 100-120 مليار دولار من الفوائض النفطية. ولا شك أن هذه الأموال مفيدة في إعادة الانضباط لجهاز الدولة. ولكن السؤال كان ولايزال فيم يوظفون هذا الجهاز؟ حرب القوقاز قدمت الإجابة الخطآ. فقد كان بوسع بوتين أن يبتكر طريقة مفيدة لتوظيف كنز الخبرات لدى الدولة الروسية لكي ينعش دولاب الصناعة الروسي العملاق. وكان بوسع روسيا أن تنتعش صناعيا بأكثر كثيرا من الصينيين الذين لا يملكون ما يملكه الروس من قاعدة معرفية وتكنولوجية. أما ما اختاره بوتين فكان هو العكس. فقد أهمل الصناعة واتجه لما تفعله الامبراطوريات الراكدة كلها، وهو محاولة إحياء قوتها العسكرية. وربما تقع هنا مسؤولية بوتين الذي يبهر العرب بأدائه السياسي الدولي بينما هو في الواقع نموذج مثالي لضابط المخابرات السابق الذي لا يمتلك الثقافة ولا الرؤية ليعرف أن الحرب أكثر كثيرا من دبابات وطائرات ونجوم تزيّن أكتاف الضباط. وبدلا من الاستثمار في أهم وأعظم ما تملكه روسيا وهو عقولها الفذة، قرر بوتين الاستثمار في الحروب والقوة العسكرية.

* فوبيا الدب الروسي

أما في الخارج فلم يكن الموقف أفضل كثيرا. وسواء كنا ندرس القوقاز أم أوروبا الشرقية فالمشكلة التي كانت تواجه روسيا هي «فوبيا الدب الروسي» لدى الشعوب الصغيرة الجارة لروسيا. هذه الفوبيا قادت أوروبا الشرقية أولا، ثم ربما بلاد أقرب ما تكون للشعب الروسي مثل أوكرانيا وبيلوروسيا، إلى الارتماء عند أقدام الأطلنطي للحماية.

ولأن هذه هي المشكلة فالحرب ضد جورجيا كانت ومازالت الإجابة الخطأ أو هي تعبير عن التخبط وإهدار الفكر وفقدان الوضوح الاستراتيجي. إذ كان المطلوب أولا هو بناء توافق مع الغرب على أن تكون أوروبا الشرقية منطقة تعاون أو على الأقل منطقة توازن وحياد. وكان المطلوب ثانيا هو تأكيد روح الطمأنينه من روسيا برسائل قوية تجعل الاندفاع للحصول على الحماية الغربية من الدب الروسي غير ذات معنى. وكان المطلوب ثالثا هو تأكيد رسالة الطمأنينة بتنسيج مصالح مشتركة مع شعوب أوروبا الشرقية والقوقاز.

تخبط بوتين قاده في البداية إلى إهداء أوروبا الشرقية كلها للغرب ولحلف «الناتو» من دون مفاوضات حقيقية لإبراز بديل يقوم على تحييد وتوازنية هذه المنطقة الفاصلة. وسريعا ما بدأ بوتين يهدي حتى بعض الجمهوريات الكبيرة والمهمة في جنوب الاتحاد السوفييتي السابق وبالذات أوزبكستان وأذربيجان للأميركيين بحجة مشاركة أميركا في الحرب ضد الإرهاب. وكان بوسعه بكل تأكيد منع هذه الجمهوريات من منح الأميركيين قواعد وبرامج تعاون عسكري. لقد خفض بوتين توقعاته حتى كاد يختصر المصالح الروسية في أبخازيا وأوسيتيا فضلا بالطبع عن الشيشان.

ووصل التخبط إلى قمته لأن الحرب ضد جورجيا، وبغض النظر عن أخطاء وجرائم الرئيس الجورجي، أحيت كامل ميراث الخوف من روسيا من دون أن ترسي أي مبادئ أو قواعد عمل تلهم وتلهب خيال أو حتى «تحيد» شعوب القوقاز وأوروبا الشرقية. بل إن إشعال مخاوف هذه الدول تم في ظروف كانت تتسم بتنازلات روسية كبيرة تجاه الأميركيين والغرب! ووصلت هذه التنازلات إلى حد «إدمان الغرب» التنازلات الروسية. فما كادت روسيا تبدو وكأنها تتمرد على الأميركيين والأوربيين حتى بدأوا في مواجهتها بمنتهى الصلف والغطرسة. وبذلك فقد بوتين رهانة على الغرب وألقى بشعوب القوقاز بصورة أقوى تحت أقدام الغرب من أجل الحماية.

وحتى لو تصورنا أن القوة بذاتها فكرة فكيف ستتصرف حتى أقوى الامبراطوريات إن وجدت نفسها محاطة من كل الاتجاهات الأصلية بشعوب تكن لها الكراهية أو تريد اللجوء إلى خصومها للحماية؟ تجد هذه الامبراطوريات نفسها مشتتة الجهد ومبعثرة القوى وفاقدة للتركيز.

ما يفعله الغرب الآن أكثر ذكاءً بكثير. لا يحتاج الغرب إلى ضم أي دولة لحلف الناتو. فالأفضل له هو ترك روسيا تنزف كفارس في حلبة مصارعة ثيران إسبانية. قد تنتصر روسيا في مئة حرب ولكنها في النهاية تخر مغشيا عليها من التعب وكثرة الثيران الذين يريدون نطحها أو قتلها.

* نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية