صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4096

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الحدائق العامة... تموت واقفة قتلتها الضوابط والبيروقراطية... والمشويات!

  • 31-08-2008 | 00:00

«الأشجار تموت واقفة»... تنطبق هذه المقولة على الحدائق العامة في الكويت، التي كانت شامخة يوما ما، كالوطن، وتحولت إلى مجرد أطلال لزمان كويتي مضى، كان حافلا بالبهجة والزهو، وأمسى فراغا، وأرضا يبابا، تذروها الرياح، تستبيحها مواسم القيظ والعجاج، تصفر حزنا وأسى، بعد أن استباحتها فلول «المحافظين الجدد»... وساد الجهال من أصحاب اللحى المستوردة، ومنعوا كل بارقة للفرح.

لعبت الحدائق العامة في الكويت دوراً ترفيهياً متميزاً، بما تحتويه من منشآت وألعاب متنوعة ومسارح وصالات رياضية ومطاعم وأحواض للزهور ونوافير ملونة، واحتضنت حديقة الشعب، وجنوب الصباحية، وحديقة جليب الشيوخ، والجهراء، مناسبات لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين، حين كان دخول هذه الحدائق يمثل بهجة للعائلات، وملتقى للمبدعين من الفنانين الكويتيين ونظرائهم العرب والاجانب، قبل أن تنطوي هذه المرحلة بفعل تحولات دينية، وتغيرات في بنية المجتمع الكويتي، أدت الى انحسار هذه الموجة، وصار من النادر رؤية عائلة كويتية تزور حديقة عامة.

حديقة لكل منطقة

يبلغ عدد الحدائق العامة في الكويت 144 حديقة، من بينها 50 في محافظة العاصمة وحدها، تشرف علىها الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية، بواسطة إدارة التنفيذ والصيانة والزراعة التجميلية، ويقول مدير الادارة المهندس حسين الخياط «لدينا جهاز بالمواقع الخارجية مهمته الاشراف على الحدائق، وفقا لكل محافظة، إضافة الى مراقبي أمن وسلامة، يوفرهم المقاول بناء على العقد، وتوجد في كل حديقة أشجار ومسطحات خضراء ومبان ودورات مياه وغرفة حارس، ومعظم الحدائق تتوافر بها شبكات ري حديثة».

وأوضح الخياط أن تشييد الحدائق «يجري بناء على معطيات، أهمها أن كل منطقة جديدة يجب أن تحتوي على حديقة كي تكون متنفسا لسكان المنطقة، وهي تمر بإجراءات طويلة، ابتداء بتخصيص الموقع عن طريق بلدية الكويت، ثم ندرس الموقع عن طريق مكتب استشاري، لحين عملية التنفيذ خلال سنة، ثم نتسلمها ونشرف عليها دائما، وهي مفتوحة يوميا منذ الصباح حتى الثانية عشرة مساء».

ضوابط المتطرفين

يبدو أن الهيئات المسؤولة عن هذه الحدائق فشلت في استقطاب الجمهور مجددا، لغياب البرامج الترفيهية، التي اختفت بصورة مفاجئة، وإن بدا أن بعض أسبابها ناجم عن هيمنة التطرف الديني، والضوابط التي وضعت للحفلات الغنائية في الكويت، ومن جانب آخر عدم وجود مرافق خدمية، فمن يزر الحدائق يجدها مقفرة، وكثير من المسطحات الخضراء تأثرت بفعل العوامل الجوية وعدم الاهتمام من قبل القائمين عليها، وتعطل نوافير المياه التي أصبحت صدئة ومتهالكة.

ويقول المهندس الخياط: إن «من يحدد نوع الانشطة التي تقام في الحدائق العامة هي إدارة الاستثمار والتسويق في الهيئة العامة للزراعة، بالتنسيق مع إدارة التنفيذ والصيانة، لإقامة نشاطات ومعارض، كمعرض كتب مثلا، أو كما حصل في افتتاح مطعم ماكدونالد في حديقة سلوى أخيرا، حيث يكون هنالك عقد بين الهيئة والمستثمر، كي لا يتحول المعرض الى بيع وشراء، واستغلال الموقع تجاريا، والحفاظ على المكان المستأجر من الحديقة من أي أهمال أو تكسير، مقابل إيجار شهري، وتسعى بعض الحدائق حاليا الى تنظيم قرية تراثية، كمكان للترويح عن الاطفال والاهالي».

مزايدات سياحية

لا يخلو الأمر من البيروقراطية، وفقا لمدير إدارة الاستثمار والتسويق في الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية ياسين الشمري، الذي أشار الى تعميم لوزارة المالية، شدد على أنه «لا يمكن استغلال أرض تابعة لأملاك أمن الدولة، إلا عن طريق المزايدة، وبالتالي لا يمكن استغلال هذه الاراضي، من قبل الشركات المختصة بالترفيه، كقرية تراثية، أو ملاهي أطفال»، وعن البرامج الفنية قال «بما أنها تدخل في باب الاستثمار، يصبح الامر استغلالا لأملاك الدولة من غير طريق المزايدة».

وأضاف إن هذه التعليمات «وضعتنا في حرج، مع الاهالي من جهة، والشركات من جهة أخرى، علاوة على وزارة المالية، خصوصا في شهور الصيف أو خلال موسم الاعياد، حيث يلجأ الناس الى الحدائق للترويح عن أنفسهم»، لافتا الى أن إدارته «تُعد مذكرة الى وزارة المالية، ليجدوا لنا طريقة في الاستثمار المؤقت الذي لا يتجاوز أسبوعين، للمواسم، واستثناء الهيئة من باب المزايدة».

كثرة الدوس

تمثل الثمانينيات أزهى صور الحدائق العامة في الكويت، في عهد الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والنشر والسياحة في وزارة الاعلام الراحل صالح شهاب، طيب الله ثراه، الذي يعود اليه الفضل في برامج الترويح السياحي التي كان يقيمها خلال فصل الصيف للمواطنين، واستقطبت العديد من الوفود السياحية من الدول الاجنبية، لكن هذه الانشطة اختفت تماما، خصوصا بعد إلحاق قطاع السياحة بوزارة التجارة والصناعة، وهو قرار يبدو مقصودا لتغييب هذا القطاع الحيوي!

يعلق الشمري «الانشطة لم تتراجع، بل تزيد، لكن الجمهور أو الشركات يريدان عملا أكثر، بحكم وجود مسطحات خضراء كثيرة، فهي تحتاج الى أنشطة ترفيهية أكثر من الموجود»، وبرر غياب الترويح السياحي في الحدائق التابعة للهيئة، الى أسباب بيروقراطية، ومخاوف من «كثرة الدوس وتأثيره على المسطحات الخضراء...» وأوضح أن «المناسبات تأتينا عن طريق طلب الاهالي والشركات، وتصورات الهيئة وأفكارها لبناء مرافق مفيدة للمواطنين، وأشار الى فتح باب إقامة المطاعم في الحدائق» الذي اعتبره «ترفيها»، وقال أن الهيئة «ستضع سيارات للمرطبات والمثلجات، كي نوفر لمرتادي الحديقة كل ما يحتاجون اليه، علما أن مهمتنا زيادة الرقعة الخضراء للمواطن، وتحسين الخدمات داخلها، وليس من مسؤوليتنا توفير الفرق الفنية وتنظيم المهرجانات».

التخريب والطقس

وفي حين يؤكد المهندس الخياط أن هدف الهيئة دائما هو «زيادة زوار الحديقة وخدمة سكان المنطقة» من الواضح أن الحدائق خالية من أي روح، ولم تعد كما كانت مرحلة الترويح السياحي إبان الثمانينيات من القرن المنصرم، بعد توقف المعارض والانشطة، وعزوف الأهالي عن ارتياد الحدائق العامة، واتجاههم الى منافذ أخرى للتسلية أثناء وقت الفراغ، لكنه أضاف أن «الطقس الصحراوي لا يساعد، كما لا ينبغي مقارنة الحدائق في الكويت مع دول أوروبا، من حيث تربتها وطقسها وظروفها».

وكما يبدو، فإن معظم زوار الحدائق العامة هم من المقيمين، وجلهم من الاجانب، من الجنسيات الاسيوية تحديدا، ويمكن رؤيتهم في حديقة الرميثية خصوصا، يستلقون أو يمارسون الرياضة، ويطبخون أحيانا...بينما يلهو الاطفال بكرة القدم أو الكريكت، اللعبة الأثيرة عند الهنود والباكستانيين، ويستمرون بالتوافد حتى ساعات متأخرة من الليل، حيث تمثل لهم هذه المتنزهات المفتوحة المكان الوحيد لتجمع العائلات من دون أية قيود أو إزعاج، لتمضية نهاية الأسبوع والعطل الرسمية والاعياد، بينما تقتصر الحدائق في محيط العاصمة على العزاب، من العاملين في المنطقة وأنحائها.

لكن المهندس الخياط اشتكى من «التخريب الذي يحصل للحدائق ومرافقها، وترك الزوار مخلفاتهم من دون الاهتمام بالنظافة، وعملية الشواء باستخدام الفحم، رغم كل تحذيراتنا، والتي تؤدي الى حرق المسطحات الخضراء»، لافتا إلى وجود مراقبي أمن وسلامة «لكن للأسف البعض لا يلتزم بالتعليمات، وبعض الاطفال يكسرون رشاشات المياه، ويدمرون النظام نفسه، عدا ما يحصل لدورات المياه من تخريب واتلاف وتكسير، والكتابة التي تخدش الحياء».

القطاع الخاص

تؤكد تجربة «حديقة الشعب» نجاحات القطاع الخاص في إدارة المشاريع، ويمكن ملاحظة حيوية الاجواء في الحديقة، وانعكاسها بالحضور الكبير للزوار على مدار العام، وينسب النجاح للشركة المتحدة للترفيه والسياحة التي تدير الحديقة، إضافة الى حديقتي الصباحية والجهراء، وبسبب «التجديد الدائم بالأفكار» كما يقول مدير عمليات منتزه الشعب الترفيهي صلاح شهاب، الذي أكد أن الشركة تحرص على «متابعة آخر مستجدات الترفيه بالعالم، وتوفير أفضل الأجواء للزوار».

وكان لافتا أثناء جولة الجريدة الادارة المميزة من الكادر الكويتي الذي يشرف على كل شئ، وبدا أن الشركة المشرفة على المتنزه لم تترك شيئا للصدفة، ووفرت جميع متطلبات الترفيه والراحة للزوار، بأفكار مبتكرة، وألعاب مثيرة تناسب جميع الاعمار، ومتاحف وصالات سينما ومطاعم، وسط أجواء لطيفة، وموسيقى تنبض بالحياة في جميع أنحاء الحديقة، على العكس من الحدائق البائسة التي تديرها الادارات الحكومية.

حركات اجتماعية

تعتبر الحدائق العامة والمتنزهات من المعالم الرئيسية البارزة في الحواضر العالمية، ومن أهمها حديقة «هايد بارك» في العاصمة البريطانية لندن، وحديقة «سنترال بارك» في مدينة نيويورك، وشهدت هذه الحدائق احتفالات وأنشطة ومعارض فنية وثقافية وترويحية، ومظاهرات سياسية وأحداثا، وسمت العصر، وشكلت مراكز لإنطلاق الكثير الحركات السياسية والفنية والاجتماعية.

وتمثل الحدائق فضاءات للهدوء والسكينة، فسحة للعين والقلب، وموعدا للتلاقي والاندماج مع المدينة من بوابة أخرى، بعيدا عن الصخب والزحام. مكانا للتأمل، استراحة الثكالى والحالمين، وموئل العشاق والهائمين، هي روح البلدان وثغرها الباسم، أريجها الدائم من بين دخان الحداثة، والأخضر الفتان بين اصفرار الصحراء ولهيبها، والسبيل الى فسحة من بهجة في ثنايا الأخبار، هربا من اصطفافات السياسة، وتكايا الدين، وأسرى المال، وأقرب النقاط الى النفس.

شركة المشروعات الدينية

زارت «الجريدة» شركة المشروعات السياحية للتعرف على دورها في تنشيط السياحة الداخلية، لاسيما في الحدائق العامة، وتبين أنها تشرف على حديقتين فقط، جليب الشيوخ، وحديقة النافورة الواقعة قبالة مجمع الوزارات، الى جانب الجزيرة الخضراء، ومن خلال مطالعة عدد شهر يونيو من مجلة «ابتسامة» التي تصدرها الشركة، يبدو أن المشروعات السياحية تحولت الى «مشروع ديني»... عبر تنظيمها «الملحمة الدينية، الليلة المحمدية» على شاطئ المسيلة، ثم نظمت في الحديقة السياحية «ملتقى ذاكر نايك» وهو داعية إسلامي هندي، ألقى محاضرة عن «وجود الله ووحدانيته في الاديان الأخرى»...وفي الصورة معرض ديني حضرته الجريدة في أغسطس الجاري، وتبدو الاشرطة الدينية والكتب والمسابيح والتعاويذ المعدة للبيع».

حدائق صماء

تحولت معظم الحدائق الى استراحات لنوم العمال، وأحيانا ملاعب لكرة القدم وممارسة رياضة الجري للباحثين عن اللياقة، ومعظم زوارها من العزاب، عدا نسبة قليلة من العائلات الآسيوية، كما في حديقة الرميثية بصورة خاصة، لكنها لا تزال خالية من المرافق، كمحلات المرطبات والمطاعم أو المكتبات، وبالطبع خالية من الموسيقى!

حرق النخيل

يقول المهندس حسين الخياط «أغلب المشكلات التي تواجهنا هي عدم تعاون الناس معنا، بعض الناس للأسف لا يهمهم الحفاظ على هذه المنشآت، رغم انها منشأة لهم، تصور أنهم يحرقون النخيل... لماذا؟ نحن عاجزون عن الفهم لماذا يحصل هذا، مع الاسف بعض رواد الحدائق غير متعاونين، ونرجو منهم الحفاظ على هذه المنشآت، تصور ان البعض يهدم السور ويكسره»!.

بيروقراطية الترفيه

أشار مدير إدارة الاستثمار والتسويق في الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية ياسين الشمري الى «خطوات لتطوير حديقة الشهيد»، وقال: «سنضع مطاعم، ولكن لا نستطيع توفير كل الانشطة من دون العودة الى بعض الجهات، كالبلدية، ، وهناك تشابك بين الوزارات يأخذ وقتا طويلا، ومراجعة أكثر من جهة للحصول على ترخيص لأي نشاط، يحتاج أحيانا الى سنتين أو ثلاث، والبيروقراطية التي تستدعي وقتا طويلا».