صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3957

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ماهو مشروع أوباما الفكري؟

  • 19-10-2008

كيف نفسر الهبوط الشديد المفاجئ والشديد لماكين في الانتخابات الأميركية. فبعد أن نجحت حملته في تقليص الفارق مع أوباما إلى نحو نقطتين فقط إذا بهذا الفارق يصل وفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة ومنها الاستطلاع الذي أجرته «نيويورك تايمز» مع «سي بي إس» يوم 13 أكتوبر إلى 17 نقطة. حيث أعطى الناخبون المحتملون 53% من أصواتهم لأوباما وحصل ماكين على 36% فقط وتردد الباقون. ويعني ذلك أن الحملة الانتخابية للأخير ربما انفجرت في الهواء وذهب ريحها كما نقول في الثقافة العربية.

وحتى شهر واحد فقط كان العكس هو الصحيح. فأقطاب الحزب الديمقراطي كانوا يخبطون كفا بكف ويناقشون علنا ما اذا كانوا أخطأوا بتبني أوباما على حساب السيدة كلينتون. وثارت هذه المناقشة بعد أن أصاب حملة أوباما تباطؤا شديدا أو حتى نكسة بعد اختياره للسيناتور بايدن نائبا له.

وتشير الاستطلاعات بوضوح إلى أن ما كسبه أوباما لا يعود لشخصه، بل ربما تم بالرغم من بعض السمات الشخصية التي تهم قطاعا مهما من الناخبين وخصوصا في الولايات المتأرجحة، كما تسمى انتخابيا، مثل اللون والأسلوب الانتهازي بمعنى غير المبدئي الذي اشتهر الآن عن الرجل. والعكس في الواقع صحيح، وهو أن مشاكل ماكين تبدأ ليس في حلبة السياسة والبرامج بقدر ما تعود لبعض سماته الشخصية. وبالرغم من أنه خسر المناظرات الرئاسية فالواقع يقول إن أداءه فيها كان أفضل كثيرا من المتوقع. ومن المشكوك فيه أن أوباما حسَّن وضعه الانتخابي عن طريق المناظرات. فامتيازه وتفوقه في الخطابه ودقته في التعبير وكاريزماه الشخصية كانت كلها عوامل معروفة ولم تكن بحاجه إلى أن تظهر في المناظرات التليفزيونية مع ماكين. ومن المشكوك فيه تماما أن المناظرات هي التي أدت إلى اتساع المسافة بين الرجلين. ومن المشكوك فيه أيضا أن ما تسميه «نيويورك تايمز» بالحملة السلبية الشخصية لتجريح أوباما هي التي أضرب بماكين. ورأيي أن شيخوخته بدأت تخيف الأميركيين، وخصوصا في مرحلة أزمة تحتاج إلى قدر كبير من الحيوية.

ولاشك مطلقا أن الأزمة المالية التي بدأت تمتد إلى الاقتصاد ككل هي السبب المباشر في تحولات السباق الرئاسي التي لم يدخل عليه في الحقيقة شيء جديد من داخله. وأغلب ما كسبه أوباما لا يعود إلى شخصه، بل إلى تأييد جديد للحزب الديمقراطي. وتؤكد الاستطلاعات الجديدة هذا المعنى حيث بدأ الحزب في لملمة العناصر التي كانت مستعدة للتخلي عنه بسبب أوباما مثل العمال البيض ذوي الياقات الزرقاء، وهم لازالوا يفضلون رجلا أبيض، ولكن مصالحهم أجبرتهم على العودة إلى الحزب الذي كان يمنحهم في العادة فرصا أوسع في العمل وفي الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وغيرها من مكاسب دولة الرفاه. وكذلك نجح الحزب الديمقراطي أكثر بكثير من ماكين في توظيف الأزمة المالية والاقتصادية لمصلحته. فرغم معارضة أغلبية الجمهوريين في الكونغرس لخطة بوش الابن لإصلاح الوضع المالي واسترداد الثقة في البورصة والاقتصاد، فهم كحزب تحملوا المسؤولية عن سياسات بوش الاقتصادية الفاشلة. أما الديمقراطيون فقد كسبوا لأنهم تصرفوا بصورة «مسؤولة» حيث وافقوا في النهاية على الخطة بعد إدخال تعديلات وانتزاع مكاسب للطبقة الوسطى. وفعل أوباما ما كان مطلوبا منه من جانب المؤسسة السياسية للديمقراطيين بأكثر مما تصرف بروح المبادرة عن نفسه وعن حملته الانتخابية.

ولكن هنا تحديدا يكمن السؤال الأهم حول سياسات أوباما ما إن يأتي إلى السلطة.

وهنا في الواقع تبدو المشكلة أيضا. فتصويت الديمقراطيين الإيجابي على خطة بوش ورغم ما انتزعته من مكاسب لقطاعات انتخابية مهمة دليل على ذهنية سطحية متكاملة ولكنها لا تكشف في الوقت نفسه عن فكر أو مشروع فكري متكامل.

هي ذهنية متكاملة بمعنى أنها تنتج مواقف وأفكارا تقوم على التأقلم مع الظروف الانتخابية ومع ميول الرأي العام وليس على إيديولوجية متماسكة. وقد استيقظ الأميركيون على أن سحر أوباما ليس سوى تغطية على مواقف أكثرها وسطي وعملي ولا يقوم رابط فيما بينها سوى كسب الأصوات. وبهذا أخل أوباما بأحد أبرز الشروط في العقد الاجتماعي الذي روّج له في البداية أي أنه بداية جديدة حقا أو أنه التغيير الحقيقي الذي ينتظره الأميركيون والعالم.

ففضلا عن أنه وقع بالفعل في قبضة المؤسسة Establishment ككل أو قطاعها الديمقراطي وفقد قدرته الذاتية على المبادرة، فهو حتى الآن أبعد ما يكون عن أن يحل محل الرئيس الأميركي العظيم روزفلت الذي أخرج أميركا من الأزمة الاقتصادية ومن العزلة الدولية معا ومهّد لقيادة أميركا للعالم من خلال الأمم المتحدة. وما ميز روزفلت أنه طرح مشروعا فكريا متكاملا على أميركا، وهو ما صعد بها إلى السماء، وهو مشروع بلور فكر الديمقراطيين التقليدي لا أن يطرح مشروعا فكريا جديدا. وهذا هو ما دعاه «للتصرف بمسؤولية» رجل الدولة من أجل الحصول على أصوات الوسط واليمين الديمقراطي وليس كرجل لديه مشروع فكري تبدو الحاجة إليه ملحة حتى تغير أميركا سفينتها واتجاهها الذي انحرف بها إلى أمواج قاسية وصاخبة ربما تأخذها إلى قاع المحيطات بأسرع من أي امبراطورية أخرى في التاريخ.

وتصرف أوباما بصورة مماثلة لبعض الرؤساء الديمقراطيين العمليين مثل جون كيندي وكلينتون، وهم كانوا رجال دولة وسياسة وليسوا مبشرين سياسيين ممن يتركون بصمة على الفكر السياسي والاجتماعي الأميركي والعالمي كما حدث مع روزفلت.

ويظهر ذلك بوضوح في التصويت على خطة بوش مما يعني غياب مشروع حقيقي بديل للديمقراطيين. فقد استهدف الديمقراطيون وأوباما حتى الآن مجرد الحصول على أصوات انتخابية، وهو ما حدث بالفعل، ولكن غاب عنهم المشروع الفكري التجديدي. ومن ثم فقد انصرفوا إلى حل مالي لأزمة ليست مالية في الحقيقة سوى في المظهر وحده.

فالمشكلة في أميركا سياسية وفكرية جرفت الاقتصاد الحقيقي وذهبت به إلى الوحل. فقد سيَّدت مؤسسة الحكم الأميركية من الحزبين- كما يقول جيمس بتراس أهم مفكر في النظرية العصرية عن الدولة وصاحب أبرز المساهمات في مدرسة الاقتصاد السياسي التقدمية- في أميركا اليوم سياسات ومفاهيم قلبت الاقتصاد الأميركي ليدور حول الخدمات وليخضع لرأس المال المالي المضارب. وما إن انفجرت فقاعة التمويل، وهي حتما كانت ستنفجر، حتى تكشف ضعف الاقتصاد الأميركي. بل وتكشف أيضا ضعف النخبة السياسية للحزب الديمقراطي.

وبدلا من أن ينفق الديمقراطيون أموال دافعي الضرائب كما فعل روزفلت على إنشاء بنية تحتية جديدة وتجديد المرافق والمساهمة في إعادة تصنيع البلاد وافقوا على إنفاقها داخل القطاع المالي نفسه الذي قاد البلاد للأزمة. ويعرف الاقتصاديون السياسيون أنه لا حل لأزمة التمويل من داخل منطق المال.

ولهذا السبب فالمرجح أن يحصل الديمقراطيون على ما يريدونه وهو انتصار انتخابي يعيدهم إلى البيت الأبيض الذي تركوه لثماني سنوات متصلة. ولكنهم لن يحصلوا على التغيير الذي يطرحونه شعارا لهم ولن يحصلوا على الأهم منه وهو منح الأميركيين حس الاتجاه السليم، وهو أمر مستحيل من دون طرح مشروع فكري جديد، كما فعل روزفلت.

ولذلك إن سأل أحد: ما هو المشروع الفكري لأوباما فأقصى ما قد يحصل عليه هو ابتسامة أوبامية عريضة وإشارة إلى أنه من أبناء «النيوديل الروزفلتي». وإن عارضه أحد قائلا: ولكن «النيوديل» و«روزفلت» انتهيا منذ ستين عاما وأميركا تريد البناء على «النيوديل» وليس العيش عليه وحده، فقد يتركه أوباما ويمضي إلى حال سبيله من أجل مراجعة خطاب جديد يودع الناخبين ويجرهم ولا يمنحهم في الواقع سوى طنطنة انتخابية لذيذة.

* نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية