صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4169

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

المسيحيون في الكويت... 400 ألف 7 كنائس ولا إكراه في الدين! يعملون بصمت... والعرب الأكثر تكيفاً

  • 29-07-2007 | 00:00

ما أجمل أن تسمع ترانيم المصلين في الكنائس إلى جانب دعاء المصلين في المساجد، روح وئام تضم المؤمنين في الكويت، تجمعهم وحدة السلام، 400 ألف مسيحي أو نحوهم، يعيشون في الكويت، يمثلون جاليات مختلفة، من جنسيات أجنبية وعربية، ينتمون إلى جميع الطوائف المسيحية، يقدمون خبراتهم وخدماتهم بإخلاص، ويحظون باحترام كبير فى الأوساط الكويتية.

وفائي ومحمد صديقان منذ نحو عام، يعملان في الشركة ذاتها، يخرجان مساء أكثر من ثلاث مرات في الأسبوع، منسجمان الى حد كبير، سافرا سويا مرتين، ولم يكتشف محمد أن وفائي مسيحي الديانة إلا حين توفي شقيقه، وسيتقبل العزاء بعد القداس في الكنيسة الكاثوليكية في العاصمة.

زكي يشبه نحو 400 ألف مسيحي في الكويت، بصعوبة تشعر بوجودهم، يعملون بجد وصمت، يتحركون بهدوء، لايتدخلون في ما لايعنيهم، ولايجاهرون بالدين، ليس خوفا ولاتحفظا «من ينكرني أمام الناس أنكره أمام أبي الذي في السموات»... قال المسيح لأتباعه الذين أبوا نكران إيمانهم. لكنهم لايخلطون بين الأمور، فهم لايتركون عملهم ويذهبون الى الصلاة، ولاينظرون الى الآخرين من منظور ديني، بل أخلاقي وقيمي.

كانت بدايات دخول المسيحيين إلى الكويت مع وصول الإرسالية الأميركية إلى الكويت، التي سمح بها المغفور له الشيخ مبارك الكبير، وكانت تلك الإرسالية في البداية آتية إلى الكويت كخدمة طبية، ثم سمح لها بممارسة النشاط الديني، ولا توجد أي قائمة رسمية بالكنائس المعترف بها، إلا أن هناك 7 كنائس مسيحية على الأقل تحظى بشكل من الاعتراف الرسمي، مما يتيح لها العمل بطريقة مفتوحة، كما أن لهذه الكنائس ملفات لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حتى تستطيع إحضار القساوسة ومن يعمل بالكنيسة.

تشمل الجالية المسيحية في الكويت، الكنيسة الانجليكانية (الأسقفية)، الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية، الكنيسة الأرثوذكسية القبطية، الكنيسة الكاثوليكية اليونانية (الملكانية)، الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية التي تعرف بكنيسة الروم الأرثوذكس، الكنيسة الإنجيلية (البروتستانت)، وكنيسة الروم الكاثوليك، وتضم كنيستين رسميتين ومكان آخر للعبادة ومنزل بالإيجار، وأعضاؤها من اللاتين والمارونيين والمسيحيين والأقباط الكاثوليك والأرمن وطائفة المالات ومجموعة المالابار، ويمارسون شعائرهم الدينية في الكاتدرائية الكاثوليكية بمدينة الكويت.

 الكريسماس والفهم الخاطئ

 رغم أن المسيحيين في الكويت يعملون بهدوء، لكن الآخرين أحيانا لايتركونهم في حالهم، خصوصا في ظل التأجيج الطائفي في المنطقة، ويمكن تلمس بعض من التحفظ والتعامل بشك وارتياب، من باب عدم الثقة بالآخر، تدعمه المنطقة المجبولة بالصراعات السياسية والحروب، وهناك تقارير عن مسؤولين من الجمارك يصادرون المواد ذات الديانة غير الإسلامية من المواطنين عند وصولهم الى المطار، كما أفاد عدد من عمال المنازل بأن كفلاءهم يصادرون منهم مقالات عقائدية مثل الإنجيل، ولا يوجد أي تقرير عن سجناء أو محتجزين بسبب الدين في الكويت، لكن معظم التقارير السلبية تأتي بتصرفات فردية، ولم يحدث يوما أن تبنت الحكومة نهجا تعسفيا ضد المسيحيين، بل تساهم كثيرا في تأمين احتفالاتهم ورعايتها، لكن من الجهة الأخرى، حدث غير مرة أن حمل بعض النواب في مجلس الأمة على المسيحية والمسيحيين.

وهنالك فهم خاطئ لدى الكثيرين، فالبعض يختزل المسيحية في موعد ميلاد المسيح الذي يطلق عليه «الكريسماس» ويحل في الخامس والعشرين من ديسمبر من كل عام عند الكنيسة الغربية واتباعها، بينما في المشرق (الكنيسة المصرية) يحل في السابع من يناير، ويعتقد بعض المسلمين أنه عيد للهو تحدث فيه ممارسات سيئة ودعوات للاحتفال بمجون.

يقول راعي الطائفة المارونية في الكويت الأب يوسف فخري «عيد الميلاد هو تجسد الرب يسوع، في هذا الاحتفال نشدد على الأمور الروحية مثل الصلوات والمناولة والاعتراف والتسامح والمحبة والسلام لأنه عيد سلام، لكن البعض استغل العيد استغلالا خاطئا، كالذين يعبرون عن فرحتهم بأمور سيئة، لكن هذا بعيد كل البعد عن عيد التجسد ومفهوم المسيحية للاحتفال بهذا العيد. والكنيسة ترفض هذه الاحتفالات رفضا قاطعا لان الاحتفال بالأعياد الدينية يكون من خلال إقامة الصلوات والأمور الروحية فقط، لان الأمور الأخرى تشوه إرادة الله».

التنصير والإسلام

 ويواجه المسيحيون بعض المشكلات، على رأسها قلة أماكن العبادة، وأخرى يوضحها الأب فخري «لابد هنا أن نفرق بين الكاثوليك العرب والكاثوليك الآسيويين، فهؤلاء يواجهون مشاكل تخص العمالة وهي نفس المشاكل التي تواجهها اغلب الأديان الأخرى، مثل عدم دفع رواتب والتعامل معهم بشكل لا إنساني، وبعضهم يصل إلى مرحلة اليأس والانتحار. وهناك مشاكل مع بعض أبناء الجالية المصرية في مسائل تتعلق بالإقامة. وبعضهم يعاني كثيرا للحصول على فرصة عمل. ويمكن القول إن جميع المشاكل اجتماعية، هذا بخصوص المشاكل التي تواجه الجالية الآسيوية، أما المورانة فلا يواجهون مشاكل تذكر، لأنهم من نفس اللغة والمحيط ويستطيعون التكيف مع الأوضاع بشكل أسرع».

إحدى أبرز المشكلات التي يواجهها المسيحيون أيضا هي الضغوط التي تأتي من بعض الجمعيات والمؤسسات الإسلامية لحض المسيحيين على الدخول في الإسلام، ويحصل أحيانا لأسباب شخصية كما يقول الأب فخري «نعم هناك مسيحيون يقدرون بعشرة أفراد تركوا دينهم، لسبب أن الكنيسة الكاثوليكية ليس فيها طلاق وزواجها أبدي، وفي الزواج تحدث بعض المشاكل ولان ليس هناك طلاق، يعمد احد الطرفين إلى تغيير دينه كي يتزوج من أخرى، وهنا لابد من التأكيد على أن البعض يغير دينه ليس حبا في الدين الذي يذهب إليه، بل لحل مشكلة معينة».

 عبادة التجار

 وحول ماتفعله لجنة التعريف بالإسلام من إغرائها بعض الآسيويين لدخول الإسلام، يعلق الأب فخري «لا إكراه في الدين، ونحن نرفض كل تلك المحاولات لان ذلك معناه شراؤهم بالمال وهؤلاء لا يدخلون الإسلام عن حب ولا قناعة ولكن لحاجتهم الى المال، وللعلم فهؤلاء حينما يرجعون إلى بلادهم يعتنقون ديانتهم الأصلية... وهذا دليل على عدم دخولهم الى الإسلام عن قناعة. وهناك مثل يقول «من أحب الله خوفا فتلك هي عبادة العبيد، ومن أحب الله تجارة فتلك هي عبادة التجار (مصالح) ومن أحب الله محبة فتلك عبادة الأحرار» وزاد «نحن جميعا يجب أن نحب الله من كل قلوبنا ونكون أحرارا في عبادتنا لله. وللعلم فمن تشتره اليوم بالمال يبعك غدا».

ويضيف «نرفض تماما فكرة التنصير أو التعميد بحيث نجعل المسلم مسيحيا، ونحن نشجع المسلم على إسلامه كما نشجع المسيحي على مسيحيته، ولكن ما نشجعه أكثر هو التعامل بإنسانية بمعزل عن الديانة، ونحن نؤيد أن كل شخص يسلك معتقده، شرط أن يتعامل بإنسانية مع كل الفئات والأديان، لان العالم بحاجة إلى محبة في ظل الأجواء التي تشبه بيئة الذئاب التي نعيشها. ينبغي أن نكون رسل محبة وسلام، ونساعد بعضنا بعضا بمعزل عن هويتنا وديانتنا كي نعيش في ألفة ووئام».

 جزيرة العرب

 الكاتب صلاح المضف يؤيد وجود «أي إنسان على أرض دولة الكويت مهما كانت ديانته أو مذهبه مادام يضيف قيمة لهذا البلد ورفض الدعوات التي تطالب بأن تكون «جزيرة العرب للمسلمين فقط» وقال «هذا الكلام يستحيل تحقيقه، لأن الإنسان يجب أن يعيش في أي مكان يريده مهما كانت ديانته، كما أن تعدد الديانات أمر يجب عدم التعدي عليه، ولكل إنسان مطلق الحرية في اعتناق الديانة التي ينتمي إليها، داعيا إلى احترام جميع الديانات» واعتبر أن المسيحيين في الكويت «يساهمون في رقي البلد وتطوره من خلال مواقعهم».

راعي الكنيسة القبطية المصرية في الكويت القس أبادير الأنبا بيشوي يقول «الكويتيون متسامحون بطبعهم، جبلوا على التسامح والتعايش مع الآخر منذ القدم، ونشكر الله من أجل حالة التسامح وحرية العبادة التي نعيشها في الكويت» ويقسم الحديث عن المسيحيين في الكويت إلى شقين، الأول، تعامل الدولة وأجهزتها مع المسيحيين الذي وصفه بالمثالي، وقال ان «السلطات الكويتية تتعامل معنا بمثالية وتقدم لنا كل التسهيلات» مشيرا الى تبرع الدولة بقطعة أرض في منطقة حولي لبناء كنيسة عليها، واعتبره «أكبر دليل على تسامح الكويت وقناعة مسؤوليها بإطلاق حرية العبادة لغير المسلمين».

أما على الجانب الشعبي فيضيف القس أبادير «الشعب الكويتي الشقيق يتسم بالتسامح وحبه للآخر، وبالمناسبة فان الكنيسة الحالية الكائنة في منطقة العاصمة كانت في الأساس بيتا مملوكا لإحدى العائلات الكويتية، تبرعوا به للمسيحيين لإقامة شعائرهم الدينية فيه، وهذا دليل على حب وتسامح أهل الكويت وتعايشهم مع غيرهم من الديانات الأخرى».

 الانغلاق والآخر

 واعتبر المتخصص في الدراسات الإسلامية سامي العدواني أن «وجود غير المسلم على أرضنا يمثل إثراء وتنوعا فكريا وثقافيا وتنمويا» مشيرا إلى أن «فكرة الانغلاق باتت غير مقبولة وتحتاج إلى كثير من المراجعة» وزاد «الحضارة المدنية ترفد لنا شعوبا من كل دولة ومن ديانات مختلفة، ومن غير المقبول أو المعقول عدم التعايش مع هؤلاء. المجتمعات المتطورة تقبل بالآخر وتفاخر بالتنوع الثقافي والعرقي الموجود لديها».

راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية القس عمانوئيل غريب يعتبر الكويت «حالة فريدة ونموذجا يحتذى به في التسامح الديني، نمارس عقيدتنا المسيحية بكل حرية كما كفلها الدستور» ورأى أن «المسيحيين المقيمين في الكويت بمختلف جنسياتهم يتمتعون بحرية العبادة وممارسة عقيدتهم المسيحية بكل حرية، ولا يتعرضون لأي مشكلات تذكر مثلهم مثل أي ديانة أخرى، و معظمها تندرج ضمن قضايا العمالة ومشكلات اجتماعية وغيرها، لكن جميع مرتادي الكنيسة الإنجيلية يشعرون بحالة من الراحة بصورة عامة».

مسيحيون في الكويت

عماد ميساك، مدير فندق: أعيش وأسرتي في الكويت منذ ستة أعوام ولم نجد خلال تلك الفترة أي نوع من الاضطهاد أو العنصرية كوننا مسيحيين، سواء خلال تعاملي مع جهات الدولة أو حتى في عملي، لم أتعرض لأي تصرف يدل على كراهية المسيحيين سوى موقف واحد من شخص عادي ولا يدل إلا على صاحبه.

سمير نصيف، محاسب: لا توجد أي قيود على معتقداتنا، نحن منتظمون في الصلاة والعبادة، نقيم الصلوات والتعاليم الدينية لدراسة الإنجيل، وهي تدعو إلى المحبة والتسامح بين جميع البشر بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق.

رانيا رشاد، مهندسة مصرية: أتمنى اعتبار أعياد المسيحيين، كعيد الميلاد وعيد القيامة المجيد اجازات رسمية يحق لكل المسيحيين التمتع بها مع ذويهم.

سامي أمين، موظف: ما يميز الشعب الكويتي هو قبوله للآخر، الكويتيون يتعاملون معنا برقي وتحضر ولا نتلمس في تعاملهم أي عنصرية، سوى بعض المتطرفين الذين يعتبرون تحية المسيحيين والسلام عليهم غير جائزين.

الصيام في المسيحية

يصوم الكاثوليك خمسين يوما في العام، حتى غروب الشمس، وفي هذه المدة لا يأكل الصائم اللحوم والألبان ومشتقاتهما، ومسموح له بالأطعمة النباتية والبقوليات فقط.

الطوائف

وأكثر الطوائف الموجودة في الكويت هي الكاثوليكية، تليها الأرثوذكسية (مصريون) ثم الإنجيلية. ويعتبر الموارنة اكبر جالية كاثوليكية عربية في الكويت، وعددهم نحو 4500، في حين يبلغ عدد الكويتيين المسيحيين 200 شخص.

وتقبل الآخر

المتخصص في الدراسات الإسلامية سامي العدواني رأى أن المجتمعات الآن ذاهبة في اتجاه فكرة تقبل الآخر والتعايش معه «ولنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة فقد كان جاره يهوديا وكان يتعامل معه بالحسنى، وكان لأهل الذمة في عهد الدولة الإسلامية حقوق طالما يعيشون في ظل قوانين الدولة ويحترمون دستورها».

المكتبات

لا تسمح الحكومة بتأسيس شركات النشر الخاصة بالديانات غير الإسلامية أو مؤسسات التدريب لرجال الدين المسيحي، ومع ذلك قامت عدة كنائس بنشر مواد خاصة بالديانة المسيحية للاستعمال من قبل طوائفها. وسمح لشركة خاصة باستيراد عدد معين من الأناجيل ومواد تتعلق بالديانة المسيحية، بما فيه أشرطة الفيديو والأقراص المدمجة، لاستعمالها من قبل طوائف الكنائس المعترف بها من قبل الحكومة، وتمتلك هذه الشركة الترخيص الوحيد لاستيراد مثل تلك المواد التي تتطلب موافقة الرقابة الحكومية، وتقوم هذه الشركة بتزويد المكتبات التي تعمل ضمن نطاق المجتمعات المسيحية.

يقول القس يوسف فخري «تسود علاقة جيدة مع إخواننا المسلمين، وفي شهر رمضان ندعوهم على إفطار في الكنيسة، وهم يدعوننا الى أعيادهم، وأود أن أقول إن الكاثوليك وجميع المسيحيين في الكويت لديهم وعي تام باحترام خصوصية هذا الشهر وعدم إثارة مشاعر إخواننا المسلمين، ونحن نطلب من المصلين ذلك وهم يستجيبون بكل حب. وكل رمضان يدعو بابا الفاتيكان المسيحيين الكاثوليك في العالم أن يصوموا اليوم الأول من رمضان تضامنا مع إخوانهم المسلمين في جميع أنحاء العالم، وهم يستجيبون».