صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3961

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لبنان كمحرك للتسوية الإقليمية

  • 10-04-2008

ينبغي تقديم لبنان لا كعبء عربي ودولي هو حصيلة خلافات مقيتة بين متقاسمي جبنة السلطة ولا كفريسة تخاف انقضاض سلام الجوار عليها، بل «دولة – رسالة» للسلام بوصفه معبراً نحو التقدم والازدهار الاجتماعي والاقتصادي وليس أداة لتحسين شروط بقاء نظام معين كما تريده دمشق.

فاجأني عميد منسقي مفاوضات السلام الإسرائيلية العربية دنيس روس، وكنت في مكتبه في واشنطن لإعداد موضوع إخباري عن العلاقات الإسرائيلية السورية، بتطرقه لتفصيل ذي صلة بفشل قمة جنيف بين كلينتون والأسد الأب عام 2000.

يقول روس: «عدت إلى غرفتي أمضغ مرارة فشل القمة وكان أول اتصال تلقيته فور تشغيلي جهازي الخلوي من رفيق الحريري». يستعيد روس صوت الحريري خلال تلك المكالمة: «كان ساخطاً وغير مصدق للأخبار التي ملأت الشاشات العالمية في ذلك اليوم (...) حاولت إقناعه بأن الامر انتهى» يقول ويضيف: «كان يردد جملة واحدة: لا بد من وجود شيء يمكن القيام به لا يمكن أن ينتهي الأمر على هذا النحو».

قفز إلى ذهني هذا الحوار الفرعي مع روس وأنا أتابع تبادل الرسائل بين دمشق وتل أبيب عشية وخلال أضخم مناورات تنفذها إسرائيل منذ قيامها عام 1948.

الرسائل هذه تحمل احتمالات السلام مع سورية ملفوفة بطبقة واضحة من الوعيد، بأن أي «مغامرة» من «حزب الله» سيسدد ثمنها في دمشق، وتحمل أيضا قلقاً لبنانياً من تبعات هذه الحوارات السورية الاسرائيلية التي لم تتوقف يوماً وانعكاسها على لبنان. فثمة خوف «كلاسيكي» في بيروت من احتمالات التقارب السوري الاسرائيلي ومن الثمن اللبناني المفترض لهذا التقارب لم يشذ عنه ربما إلا الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

تنطلق نظرية الخوف من معادلة صفرية ترى في احتمالات أي تحسن في العلاقات السورية الاسرائيلية ثمنا لبنانياً سيُدفع حكماً من السيادة والاستقلال، لصالح هيمنة دمشقية على بيروت. ويتغذى هذا الخوف من الالتباس الناتج عن التفويض الاميركي لسورية بحكم لبنان عقب انضمام الأسد الأب مطلع التسعينيات إلى معسكر التحالف الدولي لتحرير الكويت. غير أن الأمرين ليسا سيّين.

فالسلام السوري - الإسرائيلي يعني من بين ما يعنيه انتهاء الدور الاقليمي الأبرز لسلاح «حزب الله»، أي دوره السوري، وضعف الدور الأقل بروزا أي الدور الايراني. وعليه فالثمن المترتب على السلام هو ثمن سيدفعه حليف دمشق الابرز. إذ عند حدود السلام هذا تنتهي مخدومية لبنان كرهينة تفاوض بها دمشق على دوام النظام وترتيب علاقاته. كما أن ثمة ثمناً ستدفعه سورية نفسها نتيجة الوظيفة التغييرية للسلام لستاتيكو الداخل السوري، وما ترتبه هذه الوظيفة من إلغاء لحال الطوارئ وانطلاق عملية دمج اجتماعي وسياسي ضخمة لشرائح أبقتها الحرب الباردة مع إسرائيل خارج دائرة الفعل السياسي. فهل هذا ما تريده دمشق؟

كلا!!

كان الحريري صادقا في الرهان على السلام السوري - الاسرائيلي من دون أن يكون مصيباً بالضرورة، الحريري عمل وفاوض وضغط لتحقيق هذا السلام، أما سورية فكانت تريد من السلام آلية التفاوض التي تمنحها صفة «اعتدال» وشرعية دولية تقطف ثمارها تحكماً في بيروت... وهي اليوم لا تشذ عن هذا المسار.

هذه صورة ينبغي تظهيرها في السلوك السياسي للسلطة المنبثقة عن انتفاضة الاستقلال بدل الغرق في تشنيع السلام الاسرائيلي السوري ورفضه. وهذا لا يكون إلا بإعادة الاعتبار لمبادرة السلام العربية في بيروت من ضمن مؤتمر دولي لحماية لبنان والتأكيد على مركزية دوره في معسكر الاعتدال.

على هذا النحو ينبغي تقديم لبنان لا كعبء عربي ودولي هو حصيلة خلافات مقيتة بين متقاسمي جبنة السلطة ولا كفريسة تخاف انقضاض سلام الجوار عليها، بل «دولة – رسالة» للسلام بوصفه معبراً نحو التقدم والازدهار الاجتماعي والاقتصادي وليس أداة لتحسين شروط بقاء نظام معين كما تريده دمشق.

باختصار لدى سورية ألف سبب لتخشى السلام ولدى لبنان ألف سبب مقابل لإعادة ابتكار دوره كمحرك للتسوية في المنطقة على قاعدة التوافق العربي الذي ترجمته قمتا بيروت 2002 والرياض 2007.

* كاتب لبناني