صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3956

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مأساة التخطيط في الكويت

  • 18-06-2007

إذا أردت أن تكلف شخصاً ما، بمهمة معينة، فإنك حتماً تقول له اذهب إلى المكان الفلاني، من خلال شارع كذا، وقابل السيد فلان بن علان، واطلب منه الغرض الفلاني، وارجع قبل الساعة الفلانية، يتضح من هذا الكلام، أنك وضعت خطة لهذا الرسول وحددت شخوصها وأدوارهم وحددت أيضا أهدافها وزمنها، فالرسول هنا يعرف تماماً ماذا يعمل؟ وأين يعمل؟ ومتى يعمل؟ وماذا سيحقق؟

الخطة في تعريفها البسيط ياأيها السادة الكرام، هي مجموعة تعليمات عملية مرتبة على شكل خطوات منطقية مترابطة ضمن خط واحد وثابت، لتحقيق هدف معين بواسطة أفراد محددين ضمن فترة زمنية معينة مستقبلية مقبلة.

كنت دائماً عندما أوجه النصيحة لأصدقائي، وحتى لأولادي، أرى الكثير منهم لايعجبه ماأقول حول التخطيط والخطط وكيفية وضعها، لقد كنت أقول كلاماً بسيطاً، وهي «ياناس استخدموا الورقة والقلم»، حددوا برنامجكم ليوم غد على الأقل، اكتبوه، وفي نهاية اليوم انظروا فيه، وحددوا الأشياء التي لم تتحقق، وحددوا أسبابها، وكيفية تجاوز هذه الصعوبات والعقبات والتغلب عليها، حتى لاننسى، ونستطيع أن نشعر بأننا حققنا إنجازاً ملموساً. النجار.. والحداد.. والمزارع.. والبناء، يشعر بالعزة والفخر عندما يحقق إنجازاً نتيجة عمله، حتى إن قبض المال عن هذا العمل.

خذ مثلاً شاباً ليس لديه خطط مكتوبة ومنظمة، تجده مشتت الذهن، لايعرف ماذا يريد، اسأله: ماذا تريد أن تعمل في المستقبل؟... حتماً لن تجد الإجابة الواضحة والمباشرة لديه، لأن من يريد تحقيق هدف بعد عشر سنوات مثلاً عليه أن يعمل ويخطط له منذ الآن، ويجعل الأمور تصب في مصلحة تحقيق هذا الهدف، إذا أراد مثلا أن يصبح ضابط شرطة، فعليه أن يخطط لتحقيق هذا الهدف، يحتك بالضباط، يسأل عنهم، يحاول تقليدهم، يسمع قصص البطولات عنهم، يتدرب يومياً للارتقاء باللياقة البدنية، يتعود الجلوس مبكراً، يهيئ نفسه لتحمل المسؤولية..... وهكذا بالنسبة للأمور الأخرى.

في الحقيقة لم نتفاجأ بقرار الحكومة بحل وزارة التخطيط وتوزيع اختصاصاتها، لأن الوزارة منذ البداية، لم تُدعَّم إلا بالمبنى المتواضع، حتى عندما قاموا ببنائه لم تكن لديهم خطة مستقبلية لمواجهة أعداد الزيادة الوظيفية، فكانت وزارة تخطيط بلاتخطيط، بالرغم من محاولات المخلصين.

إذاً نحن حكومة غير تخطيطية، وأيضاً برلمان غير تخطيطي، لأنه لم نسمع خططاً يريد تحققها، إذاً نحن نسير على نحو عشوائي، بلامحطات نريد الوصول إليها، ولا من زاد مهيأ يكفينا رحلة الحياة. كنا نتوقع تدريس التخطيط في المدارس منذ المرحلة المتوسطة، ليتعلم أولادنا كيف يخططون لحياتهم ومستقبلهم، لأن المجتمعات الناجحة والمنظمة هي التي تتخذ التخطيط منهجاً لها.

سمعنا عن الإدارة بالأهداف، والخطط الخمسية القصيرة، والمتوسطة والطويلة المدى، والخطط الاستراتيجية، هذا يعني أن هناك علماً مهماً اسمه التخطيط، استخدمنا اسمه ولم نؤمن بجوهره.

أنا أعمل في القطاع الخاص، كنت أتمنى أن ندعو القياديين في الحكومة للاطلاع على خطط القطاع الخاص، وكيف يسير على خطى ثابتة وواضحة، ويحقق الأهداف الواحد تلو الآخر، وكنا نعرف ماذا نريد في السنة المقبلة أوحسب سنوات الخطة؟ وكم أعداد الموظفين الذين سنستعين بهم وكم تكلفتهم؟ وما المستلزمات السلعية اللازمة؟ والعجيب أننا نحقق وفراً ملحوظاً في المال والكوادر الوظيفية، والأهم منه الوفر في الوقت.

اليوم الشعب الكويتي بما فيه حكومته وبرلمانه يسيرون من غير تخطيط واضح ولاأهداف واضحة، ولابرنامج محدد التفاصيل، لأن التخطيط مسارات نتبعها، ولانحيد عنها حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وعمر الإنسان محدود عليه أن يستغله استغلالاً جيداً.

في الماضي كان لدينا خطط، وإن لم تطبق بشكل كامل، ولكن كانت محاولات إيجابية يشار إليها بالبنان، أما اليوم فليس لدينا الخطط الفعالة، لاندري كيف نسير؟ وما وجهتنا؟ ولاندري ماذا نريد اليوم ولاحتى غداً؟ فما بالك ما بعد غد!

سمعت أحد أساتذة التخطيط يقول إن اليابان متقدمة على العالم كله، حيث لديها خطة لما بعد 22 عاماً، وتأتي في المرتبة الثانية الولايات المتحدة، التي تعمل وفق خطة لما بعد 15 سنة، وهكذا...

أي أنهم يعرفون كم عدد سكانهم، وما احتياجاتهم من الخدمات، وكمية الأكل والماء، وما الصيانة المطلوبة لمحطات الكهرباء عندهم حتى لايلجؤوا إلى القطع المبرمج، وما برامج الرعاية الصحية ومن ثم لايتحملون تبعات العلاج في الخارج، ويعرفون أطوال وأشكال الطرق وأعداد السيارات التي ينبغي توفيرها لهم حتى لايدخلوا في مشكلات الاكتظاظ والازدحام المروري، وأيضاً يعرفون إلى أي هدف هم سائرون، وكمية الأموال التي يحتاجونها لوصولهم الى سنة الهدف.

علينا ياأيها السادة الكرام، أن نجعل التخطيط منهجاً سلوكياً نتعلمه، ونعلمه لأولادنا وأصدقائنا وجيراننا، وبالتالي نفرضه واقعاً في مجتمعنا، لنسنّ له القوانين والتشريعات، وإذ نطلب من حكومتنا تأهيل جيل من الخريجين المتخصصين في التخطيط، يعمل في هذا القطاع المهم .

هذا مطلب من مطالب الناس حينما تتوسطهم تعرف ماذا يريدون، وإذا لم تكن قريباً منهم فإنك لن تعرف حقيقة ما يدور في أذهانهم، والتخطيط أمان لهم من عاديات الزمان، وحاجة أساسية وليست كمالية في هذا الزمان.