أدوية السرطان الوقائيّة...
ضروريّة رغم مخاطرها؟
لفينسنت موتيل (66 عاماً) صوت عريض وضحكة هادرة تُظهران أنه أمضى حياته كلها وهو يدخن. موتيل الذي ترعرع في منزل يعج بالمدخنين، بدأ يدخن علبتي سجائر وهو في الثامنة عشرة. مات والده (86 عاماً) قبل 22 عاماً بعد صراع مع سرطان الرئة. صحيح أن الوالد كان طاعناً في السن حين توفي، لكن الخوف من الإصابة بالسرطان لا يفارق موتيل.
حاول موتيل الإقلاع عن التدخين «30 أو ربما 40 مرة». نجح أخيراً في تخفيض عدد السجائر إلى نصف علبة يومياً، لأنه «يخشى دوماً الإصابة بسرطان الرئة». عندما أطلق مركز Jonsson Comprehensive Cancer Center في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس تجربة سريرية هدفها معرفة ما إذا كان أحد الأدوية (دواء التهاب المفاصل celecoxib أو Celebrex) يقلل من مخاطر الإصابة بسرطان الرئة بين المدخنين والمدخنين السابقين، لم يتردد موتيل في الانضمام إليها. حتى أنه لم يسأل عن اسم الدواء ولا عن آثاره الجانبية.
يعتقد موتيل أن تصرّفه منطقي. فإذا كانت حبة دواء تحول دون الإصابة بمرض السرطان، فمَن عساه يرفض تناولها؟ وإذا كان عامل كيماوي، مثل مكمل غذائي أو دواء، قادراً على إيقاف ما يؤدي الى نموّ الخلايا العشوائي، فلا داعي عندئذ للبحث عن علاج للسرطان. يكفي أن نمنع ظهوره.
لكن الخبراء يتمنون لو أن البحث عن دواء يمنع تطوّر السرطان سهل إلى هذا الحد، ولو أن الأطباء والمدافعين عن حقوق المرضى مستعدون لتقبّل الفكرة على غرار موتيل.
مسعى هامشي
البحث عن علاج وقائي للإصابة بالسرطان، «ما هو إلا مسعى هامشي» في عالَم الأبحاث، لأنه لا يثير اهتمام سوى مجموعة صغيرة من الباحثين، على حدّ قول د. فيكتور فوغل (اختصاصي في سرطان الثدي): «لا يشكّل مجال البحث هذا موضوعاً مثيراً أو مشوّقاً، فضلاً عن أن شركات الأدوية لا تعتبره دوماً مربحاً».
وُظِّف كمّ هائل من المال والطاقة الفكرية والأمل في إنتاج أدوية قادرة على إطالة عمر مريض السرطان أشهراً أو حتى سنوات. غير أن الأدوية التي تبيّن أنها تخفّض معدلات الإصابة، علقت في شرك الجدال الدائر حول ثأثيراتها الجانبية، على حدّ تعبير الباحثين.
أدوية مرخّصة
وافقت إدارة الأغذية والأدوية في أميركا على دواءين مخصصين لأكثر النساء عرضة للإصابة بسرطان الثدي، هما دواء السرطان Tamoxifen ودواء ترقق العظم Raloxifene. لكن عام 1999، نظر الناشطون في مجال مكافحة سرطان الثدي الى Tamoxifen (أول دواء نال موافقة الإدارة) بشك وريبة، إذ تبيّن أنه يزيد خطر إصابة النساء بعد سن اليأس بتخثّر الدم وتشوّهات الرحم والساد (المياه البيضاء).
بدورها، وافقت إدارة الأغذية والأدوية على عقار Raloxifene، الذي يعيق إصابة النساء بعد سن اليأس بسرطان الثدي، بعد استخلاصها أنه يمكن أن يخفّض معدل الإصابة بنسبة تتراوح بين 44% و71%، فضلاً عن أن آثاره الجانبية قليلة مقارنة بـTamoxifen.
في المقابل، المعرّضات للإصابة بسرطان الثدي، واللواتي قد يستفدن من أدوية مماثلة، لم يسمعن يوماً بهذه الخيارات المتوافرة، حسبما يوضح فوغل: «نسعى دوماً الى ابتكار أدوية أفضل وأكثر أماناً. نحاول أيضاً تخطّي الجهل عند العامة والأطباء على حد سواء. فلا يسعكم تخيّل عدد الأشخاص الذين أضطررنا إلى إقناعهم بجدوى هذه الأدوية».
يضم السجل الشامل للتجارب السريرية الخاص بالحكومة الأميركية www.clinicaltrials.gov) 9161) دراسة تتمحور حول معالجة السرطان بالأدوية في الولايات المتحدة. إلا أن عدد الدراسات الخاصة بالوقاية من السرطان بواسطة الدواء لا يتعدى المئة والخمس والخمسين، بالإضافة إلى أن بعضها معلّق راهناً.
في المقابل، يدرس الباحثون مدى تأثير أدوية التهاب المفاصل وداء السكري والربو في الوقاية من سرطان الرئة، ويبحثون في فاعلية جرعة خفيفة من دواء Finasteride في منع تطوّر سرطان البروستات. تتناول دراسات أخرى جدوى أدوية تحتوي على مادة Celecoxib والأسبرين وغيرهما في منع تطوّر سرطان القولون والجهاز الهضمي.
بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن دواء Eflornithine (يُستخدم في معالجة داء النوم، ويعرف بقدرته على وقف نمو الشعر غير المرغوب فيه) يحقق نتائج جيدة في منع تطوّر مجموعة واسعة من الأمراض السرطانية، بما فيها سرطان الجلد والمريء والقولون والبروستات وعنق الرحم.
كذلك تتناول الدراسات مدى فاعلية أدوية Statins في منع ظهور مجموعة من الأمراض السرطانية. يُذكر أن هذه الأدوية تخفّض الكوليسترول، وتعود على المرضى بفوائد تتجاوز هدف استخدامها الرئيس.
خيبة أمل
قد تُخفق الأدوية الواعدة في الوقاية من السرطان في تحقيق الغاية المرجوّة. مثلاً، خيّب مزيج الفيتامين A والبيتا كاروتين أمل الخبراء الباحثين عن دواء يقي من السرطان. فقد أظهرت دراسات (انتهت في تسعينات القرن العشرين) أن المزيج لم يفشل في تخفيض معدلات سرطان الرئة فحسب، بل أدى إلى ارتفاعها بين الرجال المدخنين.
على الرغم من ذلك، تبحث دراسات عدة في إمكان استخدام مكملات غذائية كثيرة، مثل البيتا كاروتين، في إعاقة تطوّر السرطان. تشكّل مواد كثيرة أخرى محور تجارب سريرية راهنة، من هذه المواد: حمض الفوليك، الفيتامين D، السيلينيوم، الليكوبين، الكركمين، الشاي الأخضر وResveratrol (مركب يتوافر في قشرة العنب الأحمر).
بدوره، يعكس الكم الهائل من المواد الكيماوية، التي قد تساعد في تجنّب السرطان، مدى تدهور فاعلية العمليات عندما تصبح الخلايا خبيثة. يوضح د. مايكل سبورن، أن «عوامل كثيرة قد تعرقل عمليات تكوّن السرطان في مراحل مختلفة». لكنه يؤكد أن «البحث عن أدوية تقي من السرطان لن ينجح، ما لم يعد الباحثون والأطباء والمسؤولون الحكوميون النظر في موقفهم من مخاطر الدواء وفوائده. يبدو أن مفهوم الوقاية من السرطان بديهي للجميع ما عدا مجتمع طب الأورام».
يشير الخبراء الى أن أدوية الوقاية من السرطان تواجه حظاً عاثراً، وأن تأثيرات أدوية العلاج الكيماوي سلبية ومخيفة، على الرغم من ذلك، غالباً ما تأتي الموازنة بين المخاطر والفوائد لصالح الأدوية. يعتقد الأطباء والمرضى أن التأثيرات الجانبية المحتملة هي أفضل بكثير من ترك مرض السرطان من دون علاج.
معركة شاقّة
الموازنة بين المخاطر والفوائد تصبح أكثر تعقيداً في حالة الوقاية. فأي طبيب ينصح مريضاً ليس واثقاً من أنه سيُصاب بالسرطان بتناول دواء يقي من المرض له تأثيرات جانبية معروفة، مثل سُمِّية الكبد وخطر الإصابة بسكتة أو ذبحة قلبية؟
يصف سبورن هذا الوضع
بـ «معركة شاقة» يواجهها أنصار الوقاية من السرطان بواسطة الأدوية، يزيدها صعوبة سوء تحديد مدى تعرّض كل فرد لخطر السرطان. فمن دون فحوص دم وغيرها من المؤشرات، يتردد الأطباء في وصف أدوية وقائية، وإن كانت فاعليتها مؤكدة. كذلك لا تزال إدارة الأغذية والأدوية الأميركية قلقة من إعطاء أدوية الى مرضى، ما من دليل يثبت إصابتهم بالسرطان.
لكن حتى إن لم يجد الاختصاصيون في الأمراض السرطانية دلالات واضحة على خطر الإصابة بهذا الداء، يؤكد سبورن أن الأورام والشامات والتاريخ العائلي أو الصبغيات تشير الى تحذير واضح في حالات كثيرة. يضيف أنه «من الضروري الموازنة بين خطر تناول دواء يمنع ظهور السرطان واحتمال أن يطوِّر المريض ورماً سرطانياً يهدد حياته، بما أن علم الأورام ما زال عاجزاً عن إيجاد علاج شافٍ».
في سياق متّصل، يُطالب أنصار الأبحاث حول الوقاية من السرطان باعتماد النموذج المتَّبع في معالجة الأمراض القلبية الوعائية. يلجأ الاختصاصيون في أمراض القلب إلى مجموعة من سبل الوقاية، متسلّحين بأدوية خفض معدل الكوليسترول وضغط الدم. ومع أن الجدل بشأن كيفية تقييم الخطر المحدق بالمريض ما زال قائماً، اتفق الخبراء على أن مستويات ضغط الدم والكوليسترول هي «مؤشرات» إلى إمكان الإصابة بأمراض القلب والسكتة، استخدموها لتحديد أدوية يجب اللجوء اليها.
يحذو الأطباء الذين يعالجون السرطان والأعضاء التي يجتاحها حذو أطباء القلب، في هذا المجال تقول د. ليسلي فورد (مديرة أبحاث قسم الوقاية من السرطان في المعهد الأميركي للسرطان) «أتحدّى علماء الأورام أن يفكروا في أساليب الوقاية عند مصادفة مرضى يواجهون خطر الإصابة بالسرطان. لم يتوصلوا بعد إلى طريقة التفكير هذه، لأنها لا تعود عليهم بمال وفير... أما الأطباء فهم مثقلون بمشاكل أخرى. إنه تحدٍّ حقيقي، نعمل بدأب لتحقيقه، وأنا متفائلة».