تأليف: ريجينا صنيفر
الناشر: دار الفارابي
«... ولأجلك أيضاً، يا بني، أكتب. إنني لا أقص عليك الحرب، وإنما أروي لك قصتي في الحرب. أنا لا أحاول تبرير ما فعلت، ولا التشكي مما أصابني منها، وإنما أحكي قصتي لتقوم مقام الشهادة، فأنا قادمة من بلاد حولتها الحرب الى مقبرة لأحلام، ولأشخاص بترت حياتهم. واليوم، وأنا أرفض العنف الذي قبلت به في يوم من الأيام، بل لأقل ما هو أسوأ من ذلك: إذا كان هذا العنف في عمق ذاتي، وإذا كان لا بدَّ لي من أن أفهم ذلك الماضي وأتحرر من قبضته... قررت اليوم أن أتكلم. وها أنا أكتب لك ولأجلك؛ فأنا أؤمن بقوة الكلمات، وقدرتها على استخراج قدر من الحقيقة من تلك التجارب المريرة؛ أنا أكتب علني أتصدّى، بالكتابة، لمشاعر الخوف والكراهية، التي هي منابع للعنف، ومنابع للحروب (ص 35 ـ 36).
بهذا الخطاب الموجع تتوجه ريجينا صنيفر الى إبنها بعد عشرين عاماً على انسحابها من القوات اللبنانية، وذلك في مقدمة كتابها «ألقيت السلاح» الصادر، بالفرنسية عن «منشورات آتيلييه» (Editions de L’atelier) في باريس، والصادرة ترجمته العربية عن دار الفارابي في بيروت. وإذا كان العنوان الذي اختارته ريجينا صنيفر لكتابها يذكرنا بعنوان رواية الكاتب الأميركي أرنست همنغواي «وداعا أيها السلاح»، فإن التشابه بين العنوانين لا يعني اطلاقاً التشابه بين الموضوعين. فرواية همنغواي تتحدث عن الحرب العالمية الأولى التي شملت معظم الدول الأوروبية، ومهدت، بوحشيتها، وكثرة ضحاياها لما جاء بعدها من حروب، شاملة أو محدودة، كان للأسلحة المتطورة دور أساسي في فظائعها وطابعها التدميري الهائل، في حين يقتصر مضمون كتاب ريجينا صنيفر على تصوير بعض ذيول الحرب الأهلية اللبنانية، ومنها التناحر المستغرب داخل الصف المسيحي اللبناني، الذي لا تزال آثاره مستمرة، وإن بأشكال مختلفة، حتى أيامنا هذه. ولا بدَّ من الإشارة، هنا، الى أن التقاتل «الأفقي» بين المسلمين والمسيحيين، في حرب السنتين، تحوَّل الى تقاتل «عامودي»، أي داخل كل طائفة من الطوائف اللبنانية، في ظل الوجود العسكري السوري، تقاتل ماروني ـ ماروني (القوات اللبنانية، النمور، المردة) تقاتل شيعي ـ شيعي (أمل، حزب الله)، تقاتل سني ـ سني، وإن على نطاق محدود (دار الافتاء ـ الأحباش).
الحرب
وبعد سرد موجز لأحداث الحرب الأهلية ومآسيها، وتأثر الكاتبة، وهي في الثامنة عشرة، بالخطاب السياسي، في المناطق المسيحية، قررت الالتحاق بمقاتلي القوات اللبنانية لأن «البقاء خارج القتال كان في نظري، دليل أنانية غير محدودة» (ص110). «وخلال التدريب يتقاطر المحاضرون، وهذا هو الوقت الذي أفضله على غيره، أحدهم، وهو وليد فارس يطلق العنان لنقد حيوي يستهدف به الإسلام داعياً الى رفض انتماء المسيحيين الى العالم العربي: «إننا شعب مضطهد منذ ثلاثة عشر قرناً، وقتالنا اليوم ليس إلا امتداداً لهذا الصراع عبر التاريخ!» هذا ما كان يؤكد عليه وليد فارس كحقيقة تاريخية (ص119). ومع ارتدائها الزي العسكري وخضوعها للتدريب على القتال تحلم الفتاة المراهقة بأنوثتها «المغيَّبة»، «وخلال الليالي الباردة، التي كنت أمضيها تحت الخيمة، وقد أثقل الغبار شعري، وألهب النفاخ قدميَّ، كنت أرخي برأسي على المخدة المطروحة أرضاً، فتخطر في بالي أبيات نزار قباني، الذي أجد في ما كتبه من شعر في الحب، جرعتي من الحلم والحنان... في عالم ذكوري تعترض الحرب مساره» (ص 119) وتورد مقتطفات من قصيدة «أريدك أنثى» لنزار قباني من ديوانه «هكذا «أكتب تاريخ النساء».
وتستعرض، بايجاز، الغزو الاسرائيلي للبنان سنة 1982 ومعارك الجبل بين المسيحيين والدروز، وعمليات التهجير الواسعة للمسيحيين من الشوف ومن القرى الواقعة شرقي صيدا، لتنتقل، من ثمَّ، الى نشوب الخلاف بين «القادة» الموارنة على زعامة «القوات اللبنانية» ووقوف السوريين الى جانب جناح أمين الجميل ضد الأجنحة الأخرى ما أدى الى تعميق الانقسام داخل الصف المسيحي، إثر اغتيال بشير الجميل بعد انتخابه، بأيام قليلة، رئيساً للجمهورية. ومن فجوات الصراع بين الأخوة ـ الاعداء بدأ اسم سمير جعجع يبرز على سطح الأحداث، الذي راح ينتقد، علنا، الهيمنة العائلية على القوات اللبنانية، ويقصد بذلك آل الجميل، وسرعان ما أصبح سمير جعجع، بخطابه السياسي المغاير والمتشدد، قطباً جاذباً، للشبان الذين رأوا فيه رجلاً جديداً في الطبقة السياسية اللبنانية. تقول الكاتبة: «كنا قلة افتتنت بخطابه الآخاذ، وبنقده للطبقة السياسية، إذ كان سمير جعجع يعبر عن رؤيا فلسفية وسياسية جديدة كلياً بالنسبة الي، استلهمها من فكر تيلار دو شاردان، ولم أكن قد سمعت، من قبل، من يتكلم بمثل هذا العمق على المسيحية ومعنى الحياة...» (ص 172). «وحول جعجع تحلق كل مهجري الشوف ومهجري الشمال، إضافة الى بعض قادة الثكنات والمسؤولين العسكريين في القوات اللبنانية، الذين قرروا أن يغيروا من مرجعيتهم القيادية. حتى أن بعض الرهبان حملوا السلاح، فيما أقبل شبان ماركسيو الفكر والعقيدة على خطابه والتزموا به. وهكذا اندمج السياسي بالديني حتى انصهرا في بوتقة واحدة» (ص 176).
ومع الصعود السياسي والعسكري لسمير جعجع استشرى التناحر بين أنصاره وبين الكتائبيين؛ تصفيات، واعتقالات، وسحل في الشوارع، ما جعل ريجينا صنيفر تشعر بصدمة عنيفة دفعتها الى اعادة النظر، بشكل نقدي صارم، بتجربة انخراطها في التنظيم المسلح، فقررت إلقاء السلاح والهجرة الى فرنسا سنة 1987، والبقاء فيها.
لقد صدر العديد من المؤلفات عن الحرب الأهلية اللبنانية: روايات مستوحاة من أحداثها، اعترافات وشهادات، دراسات اجتماعية ونفسية، تحليلات سياسية... ونجحت ريجينا صنيفر في تقديم عمل أدبي متماسك، خصوصاً في الكلام عن الأسباب التي دفعتها الى الانخراط في صفوف إحدى المليشيات، وما شهدته من أسر بعض رفاقها وتعذيبهم على يد تلك الميلشيا نفسها إثر الاختلاف في الرأي والرؤيا بين قادتها بعد اغتيال مؤسسها «بشير الجميل»، كما يقول الباحث جورج قرم في مقدمة الطبعة العربية للكتاب، وترد في هذا القسم من الكتاب بعض الصور الوجدانية المؤثرة بأسلوب يقارب الأسلوب الروائي، وذلك في الفصول التالية: «جمال، اللقاء النادر» (ص 128)، «ثريا أو الحب المستحيل» (ص 189)، «عيد ميلاد في السجن» (ص 216)... في حين يأتي كلامها عن بعض الأحداث البارزة، في الحرب الأهلية، على نحو غير متوازن، فهي تطيل الحديث، مثلاً، عن حصار دير القمر، البلدة المكتظة باللاجئين المسيحيين الآتين من قرى وبلدات الشوف هرباً من الميليشيات الدرزية، بينما تمر مروراً خاطفاً على ما جرى من مخيم تل الزعتر ومخيم صبرا وشاتيلا، للاجئين الفلسطينيين. إلا أن كتاب «ألقيت السلاح» يظل، رغم بعض الانفعالات الذاتية وثيقة موضوعية لفترة سوداء من تاريخ لبنان المعاصر، ودرساً مهماً للأجيال اللبنانية الصاعدة لكي لا يقع الأبناء في ما وقع فيه الآباء من أخطاء قاتلة.