تفاقمت الأوضاع الأمنية في مدينة البصرة، مع اشتداد حملة «صولة الفرسان» ضد الجماعات المسلحة، خصوصاً «جيش المهدي»، بينما بدا رئيس الوزراء نوري المالكي مصمماً على المضي قدماً في القضاء على «الخارجين على القانون».
تواصلت الاشتباكات العنيفة بين ميليشيا «جيش المهدي» والقوات العراقية في مدينة البصرة أمس، لليوم الثاني على التوالي، بينما باتت الأمور تتخذ منحى تصعيدياً مع إمهال رئيس الوزراء نوري المالكي المسلحين ثلاثة أيام لإلقاء سلاحهم، في حين طلب مقتدى الصدر من الأخير «مغادرة المدينة وإرسال لجنة لإنهاء الأزمة»، علماً ان المعارك التي كانت امتدت أمس الأول، الى العاصمة بغداد، توسعت أمس، حاصدة مئات القتلى والجرحى في مدينة الصدر.
وأمهل المالكي أمس، المسلحين في مدينة البصرة 72 ساعة لـ«إلقاء اسلحتهم، والتعهد بعدم تكرار عملهم هذا، وإلا فانهم سيكونون تحت طائلة القانون وسيواجهون اقسى العقوبات»، في الوقت الذي بلغت فيه حصيلة العمليات في المدينة الجنوبية نحو 40 قتيلا و200 جريح.
في المقابل، أعلن مسؤول الهيئة السياسية في «التيار الصدري» لواء سميسم أمس، ان مقتدى الصدر «طلب من المالكي مغادرة البصرة وارسال لجنة للعمل على انهاء الازمة».
وأفاد سميسم بان اللجنة السياسية للتيار اجتمعت في النجف لمناقشة الاوضاع في البصرة وباقي المدن والسبل الكفيلة بانهاء الازمة».
وقال مصدر رفض كشف اسمه ان الصدر طلب «ارسال لجنة برلمانية للتحقيق في الاحداث التي وقعت في البصرة، والعمل على تهدئة الاوضاع». لكنه لم يكشف عن رد المالكي على ذلك.
الوضع الميداني
ولم تنقطع أصوات الانفجارات طوال الليلة قبل الماضية، في البصرة، حيث جرت معارك ضارية، خصوصاً في أحياء الجمهورية وخمسة ميل والحيانية والموفقية، بمشاركة مروحيات الجيش العراقي.
وكشف مصدر عسكري رفيع لـ«الجريدة» أمس، أن هناك ميليشيا تابعة لـ«حزب الله» فرع العراق (تابعة لحزب الله اللبناني)، ظهرت في مناطق عديدة في العراق في يناير الماضي، ولم تكشف الحكومة العراقية عنها في حينها.
وقال المصدر «هناك شكوك بشأن وجود عناصر لبنانية تنتمي لـ«حزب الله» وتقاتل مع العناصر المسلحة من جيش المهدي في البصرة». وأكد أن «هولاء يعملون جميعهم تحت لواء الحرس الثوري الايراني جناح فيلق القدس الذي يمدهم بالمقاتلين وبالاسلحة، وكذلك الاموال».
وأشار المصدر الى أن «هناك عصابات إجرامية، وميليشيات أخرى انضمت الى العناصر المسلحة من جيش المهدي».
واختتم المصدر قوله بأن «العراق يواجه تحديا جديدا يتمثل في مواجهة هؤلاء الخارجين عن القانون ومحاربتهم».
وانقطع التيار الكهربائي، بشكل تام، في عدد كبير من أحياء البصرة أمس، بسبب القصف، بينما تشهد المدينة حالة إغلاق تام للمحال التجارية والأسواق. ولا يوجد في الشوارع سوى القوات العراقية وعناصر «جيش المهدي».
وقالت الشرطة العراقية ان مقاتلي الصدر سيطروا على سبعة أحياء في مدينة الكوت الجنوبية. وسمعت أصوات اشتباكات عنيفة قرب مبنى حكومي في وسط المدينة أمس.
ووصلت الى البصرة قوة أمنية عراقية كبيرة يقودها قائد عمليات كربلاء، ومدير شرطتها اللواء رائد شاكر جودت، لدعم القوات التي تخوض حرب شوارع شرسة مع عناصر «جيش المهدي».
وستشارك هذه القوة في عمليات دعم واستتباب الأمن في محافظة البصرة، بأوامر من القيادة العامة للقوات المسلحة.
والحملة التي تستهدف ميليشيا الصدر هي أكبر عملية حتى الآن يقوم بها الجيش العراقي، من دون مساندة أميركية او بريطانية، في اختبار هام لمسعى واشنطن إلى سحب 20 ألفا من جنودها، وفي اختبار أيضا للقوات البريطانية التي سلمت العام الماضي المسؤولية الامنية للقوات العراقية وقبعت في قواعدها بجنوب العراق.
وصرح مسؤول في شركة نفط الجنوب العراقية بان القتال لم يؤثر على انتاج او صادرات البصرة من النفط، مؤكدا ان «العمل في شركات النفط في ما يتعلق بالانتاج والتصدير مستمر بشكل طبيعي وأن العمليات العسكرية تجري بعيداً».
بغداد
أما في بغداد، فبلغت حصيلة العمليات في مدينة الصدر شرق المدينة أمس، عشرين قتيلاً على الاقل و115 جريحاً بينهم نساء واطفال، وفق ما أعلنته السلطات العراقية.
كما قتل ثلاثة اشخاص وأصيب 12 اخرون بجروح من جراء سقوط ثلاث قذائف «هاون» على منطقة الرسالة جنوب غرب بغداد.
وادى سقوط قذيفتي «هاون» في شارع الكرادة خارج وسط العاصمة، الى مقتل شخصين واصابة سبعة اخرين بجروح.
بدورها، أعلنت المتحدثة باسم السفارة الاميركية في بغداد، ان ثلاثة مدنيين عراقيين قتلوا وأصيب ثلاثة اميركيين بجروح، اثر قصف استهدف المنطقة الخضراء المحصنة.
واعلن الجيش الاميركي في بيان، ان جميع الهجمات التي تعرضت لها المنطقة الخضراء كان مصدرها مدينة الصدر، معقل «جيش المهدي».
من جهة اخرى، ذكرت المصادر الامنية ان 11 شخصا جرحوا برصاص أطلقه أمس، مسلحون على محلات تجارية لم تغلق ابوابها في شارعي السعدون والكفاح وسط بغداد.
وشلت الحركة في معظم مناطق بغداد، وخصوصا مدينة الصدر، معقل «جيش المهدي»، وبعض مناطق الكرخ غرب دجلة.
العمارة
وفي العمارة، انتشرت مليشيا «جيش المهدي» بشكل كثيف في شوارع المدينة وأحيائها، وسط غياب تام للشرطة والجيش.
وسمع تبادل لإطلاق النار بين أتباع الصدر والقوات الحكومية في «قطاع 30» وسط المدينة، بينما قامت عناصر من «جيش المهدي» باقتحام مبنى مديرية التربية، ومنعوا الموظفين من الانتظام في الدوام، كما منعوا الدراسة بجميع مراحلها.
وأوضح شهود عيان أن المباني الحكومية والمحال التجارية أغلقت أبوابها وسط مخاوف من اندلاع معارك في المدينة التي تعد من معاقل التيار الصدري.
وذكر هؤلاء ان عددا من القذائف سقط الليلة قبل الماضية على مطار المدينة، من دون معرفة حجم الأضرار التي نجمت عن ذلك، بينما شوهدت عمليات احتجاز لمركبات تابعة للجيش العراقي من طراز «هامر» قبالة مكتب «الشهيد الصدر» في المدينة.
كربلاء
أما في كربلاء، فأعلنت الشرطة أمس، أنها فرضت طوقا أمنيا على جميع الأحياء التي يقطنها أتباع مقتدى الصدر، وهي العسكري، والنصر والعامل.
وذكرت مصادر أن هذه الأحياء تشهد حالة من الإغلاق التام للمحال التجارية، مشيرة إلى أن جميع سكانها التزموا منازلهم، بينما تعيش الأحياء الأخرى في المدينة حياة طبيعية، وتمارس المحال التجارية والأبنية الحكومية والمدارس أعمالها.
وأوضحت المصادر أن أتباع الصدر في كربلاء بدأوا أمس، اعتصاماً في مسجد المخيم، استجابة لدعوة «التيار الصدري» لتنظيم اعتصامات في مختلف أنحاء العراق، احتجاجا على العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة ضد ميلشيا «جيش المهدي».
وتشهد كربلاء فرض نظام حظر التجوال خلال الليل من الساعة التاسعة مساء وحتى الساعة السادسة فجرا، فضلا عن عدم السماح لغير أهالي المدينة بالدخول إليها.
«الائتلاف» يشيد ويبارك
أشادت كتلة «الائتلاف العراقي الموحد» في البرلمان العراقي، التي يرأسها عبدالعزيز الحكيم، أمس، بالعملية العسكرية الجارية في البصرة، منددة بـ«زمر التخريب والخارجين على القانون».
وقال بيان للكتلة «نبارك جهود الحكومة في مسعاها إلى بسط الأمن والقضاء على العصابات المسلحة في البصرة، وعلى زمر التخريب في محافظات العراق كافة من دون استثناء». وتابع ان العملية «موجهة ضد الخارجين عن القانون من الذين نهبوا ثروات البلاد وسلبوا المواطنين أمنهم واستقرارهم من دون الالتفات الى خلفياتهم السياسية والفكرية».
(البصرة، بغداد - أ ف ب، يو بي آي، د ب أ، رويترز، كونا)