إن الاختبار الحقيقي للاقتصاد الأميركي يبدأ بمجرد أن نتجاوز تداعيات انفجار فقاعة المنازل والبنوك التي تسببت في حدوث الركود الكبير
إليك فكرة تبعث على الارتياح في منتصف فصل الصيف. أنت تعلم عن أولئك الـ15 مليون عاطل عن العمل, وذلك النمو البطيء, وأثر الديون المتواصل, والعجز المالي المتفاقم بشكل كبير. حسن, تلك المصائب ليست أشد متاعبنا الاقتصادية قسوة.
إن الاختبار الحقيقي للاقتصاد الأميركي يبدأ بمجرد أن نتجاوز تداعيات انفجار فقاعة المنازل والبنوك التي تسببت في حدوث الركود الكبير. وعندما يصل الأمر إلى ذلك التحدي, الذي ينطوي على المحافظة على مستوى المعيشة في الولايات المتحدة وسط عالم من المنافسة الدولية، فإننا إما نعجز عن معرفة ما يتعين عمله, أو اننا نعلم ولكن يبدو أن لدينا نية قليلة للقيام به.
ويوفر التاريخ صورة ملائمة في هذا السياق. فبعد الحرب العالمية الثانية, عندما كانت الولايات المتحدة القوة الاقتصادية الوحيدة المتبقية في الساحة بدأنا مسيرة اقتصادية غير مسبوقة. وقال بيل غيتس في عام 2007: 'كانت لديكم فترة استمرت 60 سنة كانت فيها كل صناعة جديدة ذات قيمة مضافة ضخمة أو ابتكار متميز أو مجازفة عالية– سواء في ميادين الصيدلة أو الكيمياء الحيوية, أو البرامج والحواسيب الشخصية أو شبه الموصلات– ذات منشأ أميركي'.
وقد مهد الرخاء المشترك، الذي حققه ذلك التفوق، السبيل أمام قيام الطبقة المتوسطة. غير أن عصر التفوق الأميركي كان سينتهي في وقت ما. ومنذ عقدين من الزمن بدأت القوى الصاعدة مثل الهند والصين جملة من الإصلاحات التي جعلتها بين المنافسين الحقيقيين.
ومن وجهة نظر إنسانية كان صعود تلك الدول يمثل أنباء رائعة. فقد تم انتشال مئات الملايين من البشر من أوساط الفقر, مع الأمل في أن ينسحب ذلك على المليارات غيرهم. ولكن بالنسبة إلى العمال في الدول المتقدمة كانت قيود الأجور مسألة حتمية، فقد أصبح بالإمكان إقامة المزيد من مواقع العمل بعمالة منخفضة التكاليف– وجودة عالية متزايدة- في أي مكان على سطح الأرض.
وعند تلك النقطة من الرواية أظهرت الأبحاث أن ما يصل الى 100 مليون أميركي يعيشون ضمن عائلات تكسب أقل مما كان يكسبه آباؤهم في سن مماثلة، وأفضى ذلك الى الفقاعات السكنية والمالية.
ولهذا السبب قد يظن المؤرخون أن الركود الكبير هو هبوط, تعرض لمقاطعة.
وما يتعين أن نتذكره هو أن هذا نوع مختلف من الأحداث. وكانت الفقاعات المتفجرة وما رافقها من هلع في الأسواق, وتجميد في عمليات الائتمان, أشبه بنوبة قلبية ردت السلطات عليها عبر إجراءات طارئة.
غير أن مصير 'الطبقة المتوسطة' في عصر عالمي مسألة مختلفة. إنه أشبه بسرطان... أكثر بطئاً، ولكنه أشد خطراً, ويتطلب تجديداً أساسياً للمنافسة الأميركية. وبدون غلفنة 'طارئة'.
وفي شكل أوسع, يمكن القول بوجود شيئين مهمين يتعين علينا القيام بهما: الأول. وهو ما كتبه أخيراً الاقتصادي مايكل سبنس في صحيفة الفايننشال تايمز، ويدعو إلى 'خلق وظائف ذات رسملة مكثفة تنطوي على معدلات عمل إنتاجية متوافقة مع دخل الدول المتقدمة'.
والشيء المهم الآخر هو التأكد من أن لدى الأميركيين المهارات اللازمة لأداء تلك الأعمال.
كيف نعمل في هذا الصدد؟ بصورة لا تبشر بالخير. وكبداية نقول إن النخبة الأميركية ببساطة لا تفكر وفقاً لاستراتيجية اقتصادية وطنية على غرار ما طرحه سبنس بوضوح تام. ومن قبيل اليقين, فإن الحوافز وفرت التمويل إلى البعض من تقنيات الطاقة الواعدة حقاً– تقنيات متقدمة في مجالات التخزين والإضاءة, وأجهزة تحويل الطاقة, على سبيل المثال– وهي معدة لرفع الإنتاجية في تلك الميادين بصورة كبيرة. ومثل تلك المكاسب الإنتاجية يمكن أن تفضي إلى استدامة الأجور العالية, ولكننا لم نقترب بعد من المستوى اللازم لجهود القطاعين العام والخاص هنا.
وعلى أي حال, لمَ تقدم الشركات التي تستطيع العمل في أي مكان تريد على صنع هذه الأشياء المتقدمة في الولايات المتحدة؟ وكما جادل الاقتصادي اندي غروف أخيراً لا يكفي أن تبتكر المنتج في الولايات المتحدة, لأننا في حاجة إلى تصنيعه أيضاً. وحسب غروف فإن ذلك هو السبيل الوحيد من أجل التحكم بالخبرة في مجال المنتجات التي تفضي الى كل الابتكارات اللاحقة. كما أن التخلي عن التصنيع سيفضي إلى فقدان هذه الدورة الفعالة والمؤثرة... وهو المنطق الذي دفع غروف الى الدعوة الى اتخاذ إجراءات حمائية إذا دعت الضرورة الى ذلك، من أجل التأكد من أن الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على تفوقها في نطاق الابتكار والتصنيع والعمل.
ما من سياسي سيتحدث عن احتمالات تدني مستويات المعيشة. أما قادة الأعمال الذين يعرفون ما يجري على قدم وساق في الخارج فيتحدثون عن ذلك في مجالسهم الخاصة طول الوقت. وقد يكون السؤال المحدد لعصرنا على النحو التالي: ماذا نفعل إذا كان التغير الإضافي لا يساوي نطاق المنافسة الأميركية, ولكن نظامنا السياسي غير قادر على إنتاج ما هو أكثر من تغير إضافي ضمن تلك الحدود؟