الفقاعة... ومتاعب الصين
إن إخفاق القطاع العقاري في الصين يمثل أنباء سيئة للغاية بالنسبة إلى أسواق الأسهم فيها، غير أن الضرر الذي سيلحق باقتصاد الصين، والعالم، سيكون محدوداً بقدر أكبر بكثير من تأثيرات أزمة المساكن في الولايات المتحدة التي أفضت إلى انكماش وإلى ما يشبه الكساد في قطاع البناء برمته.
يوجد إجماع في الرأي على أن لدى الصين فقاعة عقارية، والجدال الوحيد يتمحور حول هل كانت تلك الفقاعة ستنفجر بشكل يفضي إلى نوع من التحطم الذي يطيح باقتصاد الصين أو أن تتطور بصورة ناعمة تؤدي إلى إبطاء نموها الاقتصادي ولكن من دون القضاء عليه.
ومن الصعب بالنسبة إليّ الانحياز إلى أي جانب في هذا النقاش, لأن الأبطال فيه لا يكلفون أنفسهم في معظم الوقت عناء تحديد شكل انفجار الفقاعة العقارية في الصين. وثمة اتفاقية غامضة وغير معلنة تقول بأن الإخفاق الصيني لن يبدو مثل الإخفاق الأميركي, ولكن من دون بذل جهد حقيقي لتحديد نوع الفشل الذي سوف تعانيه الصين.
ومن دون الكشف عن شكل إخفاق الصين في القطاع العقاري يكاد يكون من المستحيل على المرء أن يقرر خطورة ذلك الفشل أو مدى ذيوله وتبعاته.
ودعوني أستعرض ذلك الأمر كي أرى إذا كان الجهد سيساعد على تحديد وحسم الجدال حول التحطم أو الهبوط المريح، أو تحريك ذلك بقدر قليل على الأقل.
أنا لا أظن أن ثمة مجادلة حقيقية حول هذا الأمر: إن الصين تعيش في خضم ارتفاع محفوف بالمخاطر في أسعار العقارات وبشكل لا يمكن تحمله واستمراره. وقد ارتفعت أسعار المنازل بمعدل سنوي بلغ 12.4 في المئة في شهر يونيو. وكان ذلك أدنى من 12.4 في المئة من معدل النمو السنوي في شهر مايو و12.8 في المئة من معدل النمو السنوي في شهر أبريل، كما أن أسعار المنازل الجديدة ارتفعت بوتيرة أسرع وصلت إلى معدل سنوي بلغ 14.1 في المئة في شهر يونيو.
ومع ارتفاع الأسعار بتلك الوتيرة , سارع المطورون والمضاربون إلى البناء. وفي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2010 نمت الاستثمارات في سوق العقارات بنسبة بلغت 38.2 في المئة عن الفترة المقابلة من عام 2009. وكان ذلك المعدل أعلى بنقطتين من أول أربعة أشهر من السنة.
كما أنه مع تصاعد العرض, أسهمت الأموال الرخيصة فقط في إبقاء اللعبة مستمرة، وقامت البنوك بإغراق السوق بأموال الرهن العقاري في عام 2009 ثم في عام 2010. وقدمت القروض لشراء منازل أخرى وإلى مشترين من دون دخول كافية.
وحتى هذه النقطة يبدو السيناريو, وبصورة لا يمكن تصديقها, مماثلاً للمرحلة التي سبقت الإخفاق العقاري في الولايات المتحدة، ولكن توجد فوارق جوهرية, دعوني أصف بعضاً منها:
1- اختلاف الضغوط بين المشترين الصينيين والأميركيين
كانت الدفعة الأولى في الصين عالية وتصل إلى 30 في المئة من الثمن, وفي الولايات المتحدة, وفي ذروة الجنون كانت جهات الإقراض تجمع بين رهنين معاً بحيث يتمكن المشتري من اقتراض الدفعة الأولى المطلوبة (والتي تقل كثيراً) كذلك. ولم يكن المشتري يدفع شيئاً بشكل فعلي.
كما أن مشتري المنزل في الصين بدأ بقاعدة أوسع كثيراً من التوفير، وفي عام 2009 كانت معدلات التوفير في الصين حوالي 40 في المئة. وفي السنوات التي سبقت نهاية الطفرة في الولايات المتحدة كانت معدلات توفير الأميركيين سلبية بصورة فعلية.
وكنتيجة لتلك الفوارق, لا أظن أن الإخفاق العقاري في الصين سيفرز موجة من التقلص الضخم في الميزانية العائلية، وما أعقب ذلك من هبوط حاد في إنفاق المستهلكين الذي نجم عن الإخفاق في الولايات المتحدة.
2- الأثرياء في كاليفورنيا وفلوريدا والفقراء في المناطق الريفية من كارولينا الشمالية وديترويت علقوا في الدوامة, إما عن طريق الرهونات العقارية التي مكنت العائلات ذات الدخل العالي من شراء منزل يفوق استطاعتها أو التمويل بنسبة صفر في المئة بالنسبة إلى العائلات ذات الدخل المنخفض التي عجزت عن الدفع بمجرد تطبيق معدلات الفائدة الحقيقية. وفي الصين تركزت الطفرة في النهاية العليا من ميزان الدخل. وقام المضاربون ببناء المزيد من الشقق والمنازل الفاخرة بأسعار أعلى لسكان الصين من الأغنياء الجدد. وفي الوقت ذاته, تواجه البلاد نقصاً حاداً في المنازل ذات الأسعار التي يمكن تحملها لعائلات الطبقة المتوسطة في الصين.
وقد أفضى ذلك إلى قيام سوق غريب ذي شعبتين. وفي النهاية العليا خلقت برامج البناء الضخمة وخطوات بكين الأخيرة الرامية إلى إبطاء عمليات الإقراض كمية كبيرة من الشقق الفخمة الفارغة. وقد بدأت الأسعار في هذا الجزء من السوق هبوطاً يمكن أن يؤدي بسهولة إلى ما نسبته 20 في المئة أو 30 في المئة. وفي شنغهاي انخفض متوسط سعر المنزل الجديد الفاخر بمعدل 13 في المئة، في الفترة ما بين شهري ابريل ويوليو, وذلك وفقاً لهيئة معلومات العقار في الصين، والتي حددت متوسط سعر القدم المربع للمنزل الفاخر بـ856 دولاراً.
وفي النهاية الأخرى, تطلق المدن المتنامية بسرعة مثل تشونغ كينغ مجموعة من البرامج العاجلة لبناء مساكن للملايين المحتملين من السكان الجدد الذين أبعدتهم الأسعار العالية عن سوق العقار الخاص. وفي حالة هذه المدينة تشير التوقعات إلى وجود 1.5 مليون ساكن جديد خلال الأعوام الثلاثة المقبلة, وتخطط المدينة لبناء حوالي 323 مليون قدم مربع من المساكن العامة لتلبية الطلب.
هذا التشعب الثنائي يعني أنه من المحتمل أن تشهد الصين انهياراً في بناء المنازل بعد الإخفاق الذي ميز التجربة الأميركية. وإذا انهارت النهاية العليا, كما هو محتمل, ودفعت العديد من المطورين إلى حالة من التعطل أو الإفلاس الفعلي, فإن القطاع العام بدأ الاستعداد لتولي مهمة البناء. وفي بلد مثل الصين يعتبر إطلاق برنامج بناء المساكن العامة مسألة سهلة في حقيقة الأمر، ثم إن إخفاق سوق السكن في الصين ستكون له تأثيرات أقل على النشاط الاقتصادي, بعد الصدمة الأولية, من الفشل الذي عانته الولايات المتحدة.
3- العقارات التجارية قد تقود متاعب الصين
الإخفاق العقاري أعقب إخفاق السكن في الولايات المتحدة - وظل إلى حد كبير مشكلة بالنسبة إلى البنوك الأميركية - أما في الصين فإن العقارات التجارية هي التي تقود الموجة، ومن الصعوبة بمكان الحصول على إحصائيات وطنية عن معدل الأبنية العقارية التجارية الشاغرة في الصين، غير أن الأدلة المتداولة تشير إلى أن المشكلة كبيرة في المدن المهمة مثل بكين وشنغهاي.
وكان معدل المكاتب الشاغرة في بكين 22.4 في المئة في الربع الثالث من عام 2009, وذلك وفقاً لقول ريتشارد ايليس، وفي الجزء الشرقي من المدينة يبلغ معدل الشواغر في تطوير الأعمال المركزي 35 في المئة غير أن الخطط تدعو إلى مضاعفة حجم ذلك المشروع، وبشكل إجمالي توجد مساحة تقدر بـ13 مليون قدم مربع من المكاتب الجديدة من المقرر أن تدخل السوق في عام 2010.
4- بدأ الضرر في الولايات المتحدة بالبنوك التي قامت بالرهونات العقارية الأولية، ومؤسسات الإقراض لأغراض الرهن 'هاوسهولد' و'كاونتريسايد' و'واشنطن ميتيوال' لم تعد معنا, ولكن ذلك انتشر بسرعة إلى أسواق الأسهم والمشتقات المعززة بالرهونات والتي اعتمدت على تلك الأسهم لتصل إلى المؤسسات المالية مثل شركات التأمين (المجموعة الأميركية الدولية) وبنوك الاستثمار مثل (ليمان برازرز وبير ستيرنز) ثم امتدت إلى الخارج لتطال المؤسسات المالية, وكان معنى ذلك أن الإخفاق العقاري في الولايات المتحدة دمر مؤسسات مثل شركة التأمين الهولندية ING.
وفي الصين, تمثل المتورط الأول في شركات التطوير العقاري مثل 'تشاينا فانكه' وهي أكبر مطور بحسب القيمة السوقية, و'بولي العقارية' ثاني أكبر مطور في الصين.
وتمثل المتورط الثاني في الحكومات المحلية الصينية, وهي ضمن أكبر المقرضين والمستثمرين في العديد من المشاريع العقارية. وتعاني الحكومات المحلية في الصين باستمرار قيوداً معطلة لأنها تملك قدرة ضئيلة على جمع الأموال. وقد بدا أن الطفرة العقارية هي الحل المثالي، وذلك لأن الحكومات المحلية تقوم بتنظيم عمليات بيع الأراضي إلى المطورين العقاريين, وكانت تستخدم في الغالب سلطة الإكراه الحكومية من أجل الحصول على الأرض بأسعار متدنية, ثم تقوم بتحصيل رسوم على البيع. وفي أغلب الأحيان أصبحت الحكومة شريكاً في المشروع، وإذا كان التمويل مشكلة فإن بوسع الموظفين المحليين الاعتماد على بنك من أجل الحصول على قرض أو ترتيب قرض عن طريق شركة استثمار تأسست من قبل الحكومة المحلية لأجل تقديم قروض إلى المطورين.
والآن أصبحت الحكومات المحلية أمام مشكلتين كبيرتين:
- مع تباطؤ التطوير العقاري خسرت الحكومات كمية كبيرة من العوائد. ومدينة مثل 'تيانجين' التي تقع إلى الجنوب الشرقي من بكين حصلت على 41 في المئة من دخلها عن طريق بيع الأراضي في 2009.
- تواجه الحكومات المحلية مشكلة القروض المعدومة وتعثر المشاريع. وتقول التقديرات إن شركات الاستثمار التي تديرها الحكومات المحلية قدمت قروضاً بقيمة 1.7 تريليون دولار منذ نهاية 2009.
وتمثل المتورط الثالث في البنوك الصينية: وتشعر بكين بقدر كبير من القلق إزاء حجم الديون المعدومة التي قدمت إلى المطورين العقاريين والاضطرار إلى زيادة الاحتياطي المصرفي لدى بنك الشعب في الصيني –البنك المركزي- وزيادة الرسملة الجديدة في هونغ كونغ وشنغهاي إلى أكثر من 40 بليون دولار.
وتمثل المتورط الرابع والأخير - وكما هو الحال في الولايات المتحدة - في الحكومة الوطنية. ولكن حتى في هذا المجال تتبع الصين حلولها الخاصة. وبدلاً من تعريض رسملة دافعي الضرائب للخطر تفضل الصين إعادة ترتيب اللاعبين وإعادة توزيع المسؤوليات القانونية. وتمثلت حلولها للقروض المعدومة في البنوك والتي أعقبت أزمة العملات الآسيوية في 1997 في تأسيس شركات استثمار جديدة عمدت إلى نقل تلك الديون إلى سجلاتها ثم تخلصت منها بشكل فعلي. وأنا أتوقع أن تقدم بكين على خطوة مماثلة في هذه الأزمة إذا فشلت خطتها الرامية إلى زيادة رسملة البنوك الكبيرة.
إن إخفاق القطاع العقاري في الصين يمثل أنباء سيئة للغاية بالنسبة إلى أسواق الأسهم فيها, غير أن الضرر الذي سيلحق باقتصاد الصين, والعالم, سيكون محدوداً بقدر أكبر بكثير من تأثيرات أزمة المساكن في الولايات المتحدة التي أفضت إلى انكماش وإلى ما يشبه الكساد في قطاع البناء برمته.