وكالة الاستخبارات المركزية... مرخّص لها بالقتل
يعود تاريخ تورّط وكالة الاستخبارات المركزية في التخطيط للاغتيالات إلى عام 1954 على الأقل، حين أعدّت كتيّباً لعمليات القتل كجزء من انقلاب شنّته أميركا ضد حكومة غواتيمالا اليسارية، فما تضمنه الكتيب المؤلف من 19 صفحة، والذي نُزعَت عنه السرية في عام 1997، تقشعر له الأبدان.
بالعودة إلى عام 1960 دبّرت وكالة الاستخبارات المركزية خطة لقتل باتريس لومومبا عبر تلويث فرشاة أسنانه بمرض مميت، لينظّف الزعيم الكونغولي أسنانه ويموت سريعاً في غضون بضعة أيام أو أسابيع. في الفترة عينها تقريباً، أرسلت لجنة تغيير الصحة، التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية- من ذا الذي ابتكر ذلك الاسم؟- منديلاً مسمّماً ومرمّزاً إلى القائد عبدالكريم قاسم، قائد العراق. فضلاً عن ذلك، خطّطت وحدة العمل التنفيذي، التابعة للوكالة عينها، على مدار سنوات لقتل فيدل كاسترو. فوظفت «المافيا» لتسميم طعامه، وحاولت إعطاءه بزّة غطس ملوثة بـ»قدم مادورا»، وهو مرض استوائي نادر يبدأ في القدم وينتقل صعوداً وببطء لتدمير الجسم، كذلك فكّرت في القضاء على الزعيم الكوبي بسيجار متفجّر، وقلم مسمّم، وصدفة بحرية تنفجر تحت الماء حين يلمسها. لكن أياً من هذه المؤامرات لم تكن ناجحة، فقد أُعدم لومومبا وقاسم على يد أعدائهما، وكاسترو لايزال حياً، لكن المؤامرات توضح أن وكالة الاستخبارات المركزية مرخص لها بالقتل منذ عقود. في وقت باكر من هذا الشهر، ثار غضب الكونغرس، لاسيما الأعضاء الديمقراطيين فيه، حين تبيّن أن وكالة الاستخبارات المركزية أخفت عن الكونغرس، بأوامر صادرة على ما يبدو من نائب الرئيس ديك تشيني، برنامجاً لاغتيال قادة «القاعدة»، بدءاً من أسامة بن لادن، لكن ما كان يجب أن يفاجأوا بتدبير مثل هذه الخطة. يعود تاريخ تورّط وكالة الاستخبارات المركزية في التخطيط للاغتيالات إلى عام 1954 على الأقل، حين أعدّت كتيّباً لعمليات القتل كجزء من انقلاب شنّته الولايات المتحدة ضد حكومة غواتيمالا اليسارية، فما تضمنه الكتيب المؤلف من 19 صفحة، والذي نُزعَت عنه السرية في عام 1997، تقشعر له الأبدان. جاء فيه: «الهدف الأساسي من الاغتيال هو موت الشخص الهدف»، مع الإشارة إلى أنه بالرغم من أنه «من الممكن قتل رجل باليدين العاريتين... فغالباً ما تكون الأدوات المحلية الأبسط أكثر الوسائل فعالية في عملية الاغتيال. يكفي استخدام مطرقة، أو فأس، أو مفتاح ربط، أو مفك براغي، أو قضيب حديدي، أو سكّين مطبخ، أو حامل مصباح أو أي غرض قاس، ثقيل ليفي بالغرض». ويوصي كتيّب الوكالة بـ»الحادث المدبّر» باعتباره الطريقة المثلى للتخلص من شخص ما. «أكثر الحوادث فعالية... هو سقوط عن ارتفاع 75 قدماً أو أكثر على سطح قاس. في هذا الإطار، ستفي بالغرض ممرات المصاعد، والسلالم، والنوافذ المكشوفة، والجسور». كذلك يقترح الكتيّب إمساك الضحية بالكاحل و»دفع الشخص الهدف عن الحافة... هذا ويُعتبر السقوط أمام القطارات أو وسائل النقل السريعة فعالاً عادة، لكنه يتطلب توقيتاً دقيقاً». يمضي الكتيّب كذلك الأمر في مناقشة «الأسلحة غير الحادة»، مشيراً إلى أنه «يمكن حيازة مطرقة في أي مكان في العالم» وأن عصي كرة «البيسبول» ممتازة أيضاً. هذا ويوضح أفضل مكان في الجسم لطعن الإنسان فيه، أو كيفية سحق جمجمته، ويتحدث عن عيوب ومزايا البنادق، والمسدسات، والأسلحة الرشاشة وغيرها. خلال سنوات الحرب الباردة، حاكت وكالة الاستخبارات المركزية مؤامرةً ضد ثمانية قادة أجانب، قُتل خمسة منهم بطريقة عنيفة. وقد تباين دور الوكالة في كل من هذه الحالات. بعد أن كشفت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ هذه المؤامرات، أصدر الرئيس فورد أمراً تنفيذياً في عام 1976 يحظر فيه الاغتيال السياسي. من ثم عمد الرئيس ريغان إلى توسيع هذا الحظر، فحذف كلمة سياسي، ووسّع أمر الحظر ليشمل القتلة المأجورين والموظفين الحكوميين. وعلى الرغم من أن قرار الحظر لا يزال ساري المفعول، تم تجاهله إلى حد كبير بحجة أنه لا ينطبق على محيط عسكري. لكن لننظر ما يلي: في عام 1986 أمر ريغان بقصف ليبيا رداً على هجوم إرهابي شُنّ على أحد الملاهي في برلين، وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، من بينهم جنديان أميركيان، وجرح أكثر من 200 آخرين. ففرّ الزعيم الليبي، خلال الضربة الجوية، من دون أن يمسّه أذى، لكن ابنته المتبناة البالغة من العمر سنتين لقيت حتفها. وأثناء حرب الخليج العربي في عام 1991، حين قصفت إدارة بوش الأب بغداد، صرّح روبرت غيتس، مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق ووزير الدفاع الحالي، بأن المسؤولين في البيت الأبيض يتمنون أن «يُقتل صدّام في مخبأ». وفي العام نفسه، وقّع تشيني الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، والقائد كولن باول، في إحدى القواعد الجوية في السعودية، على صاروخ موجّه بالليزر يزن نحو 907 كيلوغرامات ويستهدف العراق. كتب شيني: «إلى صدّام مع حبّي». في عام 1998 أصدر الرئيس كلينتون أمراً بشن ضربة جوية بصواريخ كروز ضد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم القاعدة في أفغانستان بعد تفجير سفارتين أميركيتين في إفريقيا. فخاب أمل البيت الأبيض بلا شك حين فشلت الضربة في قتل بن لادن، الذي غادر على ما يُفترَض أحد المعسكرات قبل وقت قصير من الهجوم. بعد عام، وخلال إدارة كلينتون، قصفت منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بلغراد بعد أن أجبرت صربيا المنتمين إلى العرق الألباني على الهرب من كوسوفو، فسقط صاروخ كروز مباشرةً في غرفة نوم سلوبودان ميلوسيفيتش، القائد الصربي والرئيس اليوغسلافي، لكنه لم يكن نائماً فيها ولم يلحق به أي ضرر. إلى ذلك، أطلقت إحدى طائرات «بريدايتور» (من دون طيار)، التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، صاروخاً من طراز هيلفاير أدّى إلى تدمير سيارة كان من بين ركابها أحد القادة البارزين في «القاعدة»، قائد سنان الحارثي. تكمن المشكلة المتعلقة بالاغتيالات، بغض النظر عن الجانب الأخلاقي، في أن الولايات المتحدة لا تبرع فيها، كما أثبتت مساعي وكالة الاستخبارات المركزية السخيفة لقتل كاسترو. يبدو من غير المرجح أن تقتل الوكالة بن لادن بعصا كرة «بيسبول». وثمة احتمال حقيقي بالانتقام رداً على عملية اغتيال ترعاها دولة. اقتُبس عن الرئيس كينيدي قوله: «لا نستطيع التورط في مثل هذا الأمر، وإلا تحوّلنا جميعنا إلى أهداف»، ولعل ذلك ورد في خاطر مدير وكالة الاستخبارات المركزية ليون بانيتا حين ألغى برنامج الاغتيالات.
* كاتب متخصص في الاستخبارات، ومؤلّف كتابي Nightmover: How Aldrich Ames Sold the CIA to the KGB for $4.6 Million وSpy: The Inside Story of How the FBI>s Robert Hanssen Betrayed America.