الهاجس الحقيقي ضعف الراتب... والجميع ينتظر فزعة «أم عادل»
بالكاد يستطيع المعلم في الكويت أن يفي بالتزاماته الشخصية والعائلية، معوز، مضطهد، ومسكين، وفق هذه الصورة كيف نطلب منه الإبداع؟
كان أيمن محمد يضع في مخيلته ان حلمه في العمل بهذا البلد الثري الكويت، سيؤمن له حياة مستقرة، بعدما وضع احلامه في حقيبة سفره مغادرا اسوان المصرية الى الكويت للعمل كمعلم في وزارة التربية، لكن حلمه الوردي تحول كابوسا، عندما وجد نفسه يعيش في بيت متواضع للعزاب..لأن راتبه الذي توقع ان يسعفه في الكويت لم يكن كما تمنى، لاسيما انه لا يتجاوز 350 دينارا، في حين أن اقل ايجار ممكن لايقل عن 200 دينار، وراتبه المتواضع يسمح له بالسكن فقط في منطقة كخيطان، اما المناطق الحيوية مثل السالمية أو حولي أو في المناطق الداخلية فستستهلك كل راتبه، تعب أيمن كثيرا ولم يجد ضالته الا على جانبي الدائري السادس، هناك في خيطان، يعيش مع مجموعة من العزاب يتشاركون في غرفتين وحمام ومطبخ يجتمع فيها اربعة من المعلمين، دون الامور المعيشيه الاخرى كالمأكل والمشرب و المواصلات، وسواها من المستلزمات اليومية.
أرسل أيمن الى مدرسة بعيدة عن منطقة سكنه، فيضطر للاستيقاظ باكرا من اجل اللحاق بالحافلة للوصول الى عمله، ويؤكد انه سعيد في عمله لكنه في الجانب الاخر حزين على الراتب الضعيف الذي بالكاد يكفيه خلال شهر كامل، وينفد في اسبوعين على الايجار والمواصلات والمأكل والمشرب، فضلا عن ارساله لاهله في مصر الجزء الاكبر منه، مشيرا الى ان حالته النفسية غير مستقره واصطدم بواقع لم يكن يتوقعه، اذ ان الراتب الذي يحصل عليه لا يتناسب مع ما يقدمه في المدرسة، فهو يحاضر يوميا في خمس حصص، وفي بعض الايام تصل الى اليوم كله في حال تخلف معلم وتسلم مكانه «أعود الى المنزل منهك القوى، حتى الدرس لايمكنني تحضيره الا بعد أن ارتاح قليلا وأستجمع قواي مجددا كي أحصل على قسط من الراحه».
اذا انت نادم على قدومك إلى الكويت للعمل ؟
«لا، ليس بهذه العبارة»، يقول الأستاذ أيمن وهو يقلب أوراقا أمامه ثم يتابع «كنت اتوقع ان تكون اوضاعي افضل مما هي عليه الان، لم اتخيل ان تكون المعيشه مكلفة الى هذا الحد، لدرجة تدفعني في بعض الحالات الى الاقتراض، كي أضمن استمرار أولادي في الدراسة»، ثم يضيف مبتسما وسط أحزانه «أهي ايام واتعدي، والله يحنن قلب وزيرة التربية أم عادل وتزيد رواتبنا».
في المنطقة التي يقطن فيها المعلم أيمن يوجد سوق شعبي كبير وغير مرخص، يرتاده سكان المنطقة من العزاب ويعمل فيه من لا عمل لديه او كان ضحية لتجار الاقامات، اغلب رواده من الجنسية المصرية، هناك يتواجد معلم اللغة العربية مصطفى، يقف خلف بسطة صغيره يبيع الخضراوات والفواكه، واذا عرف سبب عمله بهذه المهنة بطل العجب، ربما يتساءل البعض: لماذا يعمل هذا المعلم بهذه المهنة وهو على رأس عمله؟ ... بالتأكيد هي ليست هواية، لكنه اضطر لامتهان هذه المهنة من اجل تصريف اموره واعانته على حياته، فهو يعمل صباحا صانعا للاجيال وفي المساء «فكهاني» على حد قوله، ويؤكد انه يعمل معلما في التربيه منذ ثلاث سنوات، حتى وجد ان الراتب الذي يستلمه لايفي متطلباته المعيشيه ولا التزاماته الأسرية، ما دعاه الى ارتداء الجلابيه مساء وبيع الخضراوات والفواكه، حتى أنه تعلم اللغة البنغالية وشيئا من الباكستانية، للتفاهم مع زبائنة من الجاليتين اللتين تشكلان الى جانب المصريين، الأكثرية في هذه السوق المتواضعة، والمثير أنه اكتشف ان مدخولها الشهري يفوق راتب الوزارة، لذلك فهو غير مستعد للتخلي عنها،
يقول معلم آخر زرناه بوساطة صديق، ان اوضاع المدرسين في الكويت «لاتسر» وان الراتب «لاينفع مع ظروف الكويت الصعبة وغلاء المعيشة»، لافتا الى ان الوزارة «تفرق كثيرا في التعامل بين الوافد والمواطن من خلال الامتيازات المادية»، رغم ان الوافد يعمل ضعف المعلم الكويتي ولايصل الى نصف راتبه خصوصا مع الزيادات المستمرة والبدلات الكبيرة التي يتلقاها الكويتي بين الحين والاخر، عكس الوافد الذي منذ 17 عاما لم يزد راتبه الا 30 دينارا»، ولهذا السبب، يضيف سعيد «لا بد ان يجد المعلم لنفسه عملا آخر لدعم حياته المادية، والا فلن يكون سعيدا في العمل بالكويت، على ان يكون ذلك العمل سريا ودون علم الوزارة لأنها لو علمت ستنهي خدماته».
ربما تختلف الأحوال بعض الشي عند المعلم الجديد محمد سعد، الشاب الذي يشبه اسمه الفنان الشهير الملقب بـ «اللمبي» ويعمل في مدرسة متوسطة، متفان ٍ في عمله، ويحصل باستمرار على مكافأة التميز الوظيفي، ما يجعل مسألة معيشته في الكويت سهلة الى حد ما، راتبه يكفيه حتى نهاية الشهر، ويتيح له ارسال جزء منه لوالدته واخوته، فهو لم يتزوج بعد، وهذا هو سر سعادته ورضاه عن راتبه، خصوصا وهو يقطن في غرفه عزاب لوحده، وحياته سهلة ومستقر ة كما يقول «اقضي فترة الصباح في المدرسه، اعود الى المنزل وارتاح بعض الشي، في المساء بعد الانتهاء من تحضير الدروس، اذهب الى المقهى او السوق للترويح عن نفسي، بعد ساعات التعب والارهاق الدراسية، يستنهضنا «اللمبي» كي يلتحق بمجموعة من اصدقائه سيذهبون الى السينما،لكن الساعه متأخره؟ رد قائلا باللهجة المصرية «يا باشا بكره اجازة».
محمود حسني لا يضيع وقته في السينما، فضلا عن أنه لا يملك الوقت «لهذ الترف» كما يسميه، ولمواجهة واقع الراتب المنخفض وقلة المردود من المدرسة، يركز على الدروس الخصوصية، ويحرص على ألا يُكتشف أمره، فيعمل بالخفاء من اجل زيادة مدخوله الشهري، كي يحظى بحياة كريمة، و مسكن ملائم، وتأمين مصروفات الدروس الخصوصية لأولاده في مصر..، ويصف حسني حالته قبل الدروس الخصوصية بأنها «مريرة»، ويضيف :بالكاد أؤمن مصاريف الاهل في مصر ، قبل الدروس الخصوصية، كنت أسكن في غرفه للعزاب في منطقة نائية وغير نظيفة، وتحملت على مضض سنتين، حتى اقترح زميل لي اللجوء الى التدريس الخصوصي للطلبة، واكد لي انه الطريق الأمثل نحو الثراء، بدأت العمل باسعار رمزية، حتى اتقنت المهنة، ارتفعت مع الوقت لتشكل ضعف راتبي، كما ترى انتقلت الى سكن جيد في منطقة جميلة، وبفضل الدروس الخصوصية حصلت على «العربية» (السيارة).
وللمعلمات ايضا نصيب من المعاناة ذاتها، لكنها بالطبع اقل حدة من المعلمين، خصوصا في المسكن، وهو الأهم، اذ توفر التربية السكن مجانا للمعلمات، وهذا ما يخفف من وطأة معاناة الغربة والراتب القليل، غير أن السكن وحده لا يعني عدم وجود مشكلات أخرى تعاني منها المعلمات، وتقول معلمة الحاسوب مريم «صحيح ان التربية توفر السكن، لكنها تستقطع مبلغ ستين دينارا من رواتبنا بحجة بدل السكن، رغم أن السكن غير ملائم ولاتوجد فيه ادنى مقومات المعيشة الكريمة، كما ان التبريد في المكيفات لا يساعد على الجلوس في المسكن، ولاتوفر وجبات طعام للمعلمات، وكالمعتاد، ضغط دراسي على المعلمة الوافدة كبير جدا، بينما تسعى الادارة المدرسية لتخفيفه عن الكويتيات».
المعلمون والمعلمات الوافدون أفضوا بمعاناتهم، ويبقى السؤال: لماذا لاتبادر الحكومة إلى رفع رواتبهم، ولماذا لايقر مجلس الخدمة المدنية الدراسة التي رفعتها وزيرةالتربية الحالية نورية الصبيح عندما كانت وكيلة للتعليم العام، واقترحت زيادة رواتب المعلمين الوافدين، ورصدت لهذه الزيادة 16 مليون دينار؟... واذا كانت الصبيح معذورة في السابق، حين لم يكن القرار بيدها، أما الان فلا عذر لها، وينبغي أن تبادر بالضغط على الحكومة لرفع معاناة المعلمين الوافدين وزيادة رواتبهم، ليركز مصطفى التدريس ويترك مهنة «الفكهاني»..ويتخلى حسني عن الدروس الخصوصية، وتشعر سعاد بالاستقرار وتعيش في سكن ملائم، وتتحقق أحلام معلم الرياضيات محمد.
الكندري لـ الجريدة المعلم الوافد ركيزة أساسية في التعليم ونعمل على دعمه واستقراره
أكد وكيل وزارة التربية المساعد للتعليم العام محمد الكندري ان الوزارة لاتألو جهدا في دعم المعلم الوافد والعمل على استقراره، وفق الامكانات الحكومية المتاحة .
وقال الكندري لـ «الجريدة» ان الوزارة ماضية في تطوير مستوى المعلمين الوافدين من خلال طرق عديدة بدأت ملامحها تنعكس ايجابيا على حياتهم في جانب، وتحصيل الطلبة في الجانب الاخر، فضلا عن انها تعد حاليا لتقديم الدراسة الخاصة بزيادة رواتبهم الى ديوان الخدمة المدنية للبت فيها، نافيا وجود تقصير من جهة الوزارة مع المعلم الوافد . واعتبر الكندري المعلم الوافد ركيزة اساسية في العملية التعليمية لايمكن تجاهلها، لأن هذا الفئة تمثل الاغلبية من اعضاء الهيئة التدريسية، مؤكدا ان الفترة المقبلة ستشهد انجازات كثيرة لمصلحته، لاسيما بعد انشاء المركز الوطني لتطوير التعليم، الذي سيتولى مهمة الاهتمام به، وحل مشكلاته المادية و المعنوية، وتطوير مستواه للوصول الى استقراره.
طرق تدريس قديمة
انتقد المعلمون طرق التدريس الحالية لوزارة التربية، إذ كشفوا أنها قديمة ولاتناسب التطور العالمي الحاصل في المناهج وطرق التدريس، مشيرين إلى أن الوزرارة تفرض طرق تدريس معينة عليهم، تحد من تجاوبهم مع الطلبة وتفاعلهم مع المادة، كما أنها تقلل فرصة الإبداع لديهم والطلبة.
مكافأة مقطوعة
من خلال أحاديث المعلّمين عن ظروف تعيينهم، تبيّن أن جميعهم يعملون بنظام المكافأة الشهرية المقطوعة، التي تحرم المعلم من نهاية مكافأة الخدمة، بمعنى أن المعلم متى ما انهيت خدماته فسيعود إلى بلاده خالي الوفاض. وأكد المعلمون الذين التقتهم «الجريدة» أن عقود عملهم تحوّلت من التعيين إلى نظام المكافأة المقطوعة بعد عام 1990.
التحاق بعائل
طالب عدد من المعلمين وزيرة التربية استثناءهم من شروط الالتحاق بعائل، ليتسنى لهم استقدام ذويهم الى البلاد، للعيش معهم كي يشعروا بالاستقرار بوجودهم بجانبهم. وأوضح المعلمون أن هذا الأمر سيخفف عنهم معاناتهم في الغربة ويهوّن عليهم ضعف رواتبهم. تدريب
انتقد بعض المعلمين عدم اهتمام التربية بتدريبهم، بهدف تطوير مستواهم في ظل عصر التطور التكنولوجي، متسائلين هل يُعقل أن يكون المعلمون آخر من يتعلم الكمبيوتر واختصاصاته. وأكد المعلمون أن ذلك أثر سلباً على مستواهم الاكاديمي. واستغربوا من مستوى بعض الطلبة في مجال الكمبيوتر، الأمر الذي يؤدي بهم في كثير من الأحيان لتعلم الكمبيوتر على أيدي الطلبة.